الاثنين 09 ربيع الثاني 1440 - 17 ديسمبر 2018 - 25 القوس 1397

الفساد الأكبر مازال طليقا

عبدالخالق بن علي

لا شك أن الحرب التي أعلنها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان حفظه الله على الفساد هي الأقوى والأكثر تأثيرا ، ونتائجها على أرض الواقع واضحة للجميع ، وبدأت تؤتي أكلها في خفض وتيرة الفساد وتأثيره في الدولة . وأهم نتائج تلك الحرب أن الفساد عاد إلى جحوره ، وأصبح يخاف من افتضاح أمره ومحاسبته ، بعد أن وصل به الأمر أن يمشي متبخترا في كل المناسبات .

استعادت الحكومة بعض غنائم الفساد ، فأكثر من 400 مليار ريال استعيدت من بطون الحيتان ، وأكثر من 1.5 مليار متر من الأراضي ممن ظن لصوصها أنها أصبحت من صيد الماضي وأن أخذها منهم من المستحيلات . ومازال سيف العدل يقتص من الفساد والفاسدين ، وأعتقد أن طريق الحرب على الفساد طويل جدا ، ومازال هناك الكثير مما يجب فعله على كافة الأصعدة خصوصا على المستوى القانوني والتنظيمي والرقابي .

لكن أعتقد أن الفساد الأكبر والأخطر والأكثر ضررا بالتنمية والمجتمع والحكومة لم تُعلن عليه الحرب بعد ، ولم يصله من الحرب على الفساد إلا شظايا خفيفة لم ولن تؤثر فيه . الواسطة أم الفساد وأصله وقاعدته التي يستند إليها ، وعموده الفقري الذي لا يقوم إلا به ، الواسطة التي أوجدت كل أنواع الفساد .

في أزمنة الغفلة تغللت الواسطة لتحول المؤسسات الحكومية لإقطاعيات خاصة ؛ عائلية ومناطقية ومصالح مشتركة ، ولم تكتفي بذلك حتى وصلت للقطاع الخاص وربطت مصالحه بمصالح تلك الإقطاعيات وتحكمت فيه تماما ، ولم تنج منه حتى كبريات الشركات. فمازالت الواسطة تتحكم في التوظيف والقبول والاعتمادات والترقيات والمناصب والمهام ، وكلمتها العليا في كل ذلك رغم ما يقال عن الشفافية والعدالة والمصداقية .

نحن بحاجة لإعلان حرب خاصة على الواسطة ، لغرس الأمل في نفوس الشباب الذين أصيبوا بالإحباط. ولا أتحدث عن احباط الشباب من فراغ ، فأنا قريب جدا منهم ، أرى معاناتهم وأسمع شكواهم .

القضاء على الواسطة أظنه من المستحيلات ، لكن خفض تأثيرها السلبي إلى الحد الأدنى ممكن بل ضرورة. فلن تنجح تنمية ولن يتم القضاء على الفساد المالي والإداري دون الحد من المصدر لكل ذلك (الواسطة) .

وحتى يتم الحد من دور الواسطة وتحييد أثرها السلبي لابد من إصلاح أنظمة (القبول ، والتعيين ، والترقيات ، والتكليف ، والاعتمادات ) وكل ما يمكن أن تؤثر فيه الواسطة . ثم تتم المتابعة الدقيقة بعد ذلك لكل القرارات التي تتم ، والتأكد من مصداقيتها وعدالتها ، وأن ليس للواسطة دور فيها .

والأهم أن يتم تفتيت التكتلات التي تكونت في بعض القطاعات الحكومية نتيجة الواسطة ، ويجب ألا يستثني أي قطاع من المراجعة .

مبادرة (استقطاب الكفاءات) إحدى مبادرات رؤية السعودية 2030 ، وهي مبادرة رائعة جدا في حقيقتها ، لأنها تسعى للاستفادة من الخبرات في الحكومة والقطاع الخاص وتمكينها بعيدا عن التعقيدات في الترشيح والمفاضلة وإجراءات التعيين المعقدة . لكن واقعها مؤسف فعلا ، فعلى ما يبدو أنها قد استغلت لتنفيع الأقارب والمعارف والأصدقاء . فتعيين حديثي التخرج عديمي الخبرة ، بل وخريجي الثانوية العامة بأرقام فلكية ، وفي مناصب مهمة وحساسة تحت مسمى استقطاب الكفاءات ، لا شك أنه فساد ولا يمت لاستقطاب الخبرات بصلة .

لابد من مراجعة التعيينات الماضية تحت هذه المبادرة ، ومحاسبة من استغلها بصورة خاطئة . لكن الأهم أن يتم تقنين المبادرة بصورة أفضل حتى لا تتحول إلى بوابة ضخمة للفساد .

الواسطة أم الفساد ويجب إعلان الحرب عليها بذاتها ، وإن نجحت الحرب عليها فسوف يتم القضاء على معظم أنواع الفساد الأخرى .

[email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

حماد يا اخي لم توفق في طرحك لان الاستئناف حكم برد جميع الدعاوي...
بهيج البهيجي استاذ سعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته مقالك رائع يوضح...
امجاد السلام عليكم ، استاذ وائل ممكن اعرف اذا فيه مثال على شركة...
امجاد السلام عليكم ، استاذ وائل ممكن اعرف اذا فيه مثال على شركة...
ناصر قراءة السوق في وادي ، وكاتب المقال في وادي .. الله المستعان
مخطط القيروات قيت