الأربعاء 15 جمادى الثانية 1440 - 20 فبراير 2019 - 30 الحوت 1397

تأخير سداد المستخلصات .. يسحق القطاع الخاص

مقالات مال

فهد القاسم [email protected] Tweeter: @falkassim تتفكك دولة عند فقدان الأمن ، بينما تسقط دولة أخرى بسبب رغيف خبز ، في أمريكا وهي قبلة العالم الرأسمالي يُنتخب رئيس ببرنامج انتخابي يركز على الرفاهية ولقمة العيش والتخفيف من الضرائب ، ويسقط رئيس مُنتخب بسبب ازدياد طوابير العاطلين .. الحقيقة الثابتة أن الإقتصاد قد يكون أكبر سبب لرضا الشعب ، فيما قد يكون أيضاً أبرز أسباب سخطه . بدأت الحكومة إجراءات مشددة لشد الأحزمة ، كردة فعل على إنخفاض حاد متوقع للإيرادات نتيجة إنخفاض أسعار النفط إلى ما يزيد عن النصف ، تزامن ذلك مع الإنفاق العسكري على جهود إستعادة الشرعية في الجارة الغالية “اليمن” . أذكر إنني كتبت مقالاً قبل ما يزيد عن 5 سنوات نشر في صحيفة الإقتصادية بعنوان “ يوسف العبقرية الإقتصادية .. دروس مستفادة” ، وكان المقال يتمحور حول الإدخار الحكومي ، والدورات الإقتصادية ، والتحذير من الطفرة ، وأنها مؤقتة مثل رواج أي سوق أو سلعة . مبدأ شد الأحزمة في النفقات ، بعد مرور سنوات من الصرف اللامحدود والذي يصل إلى حد البذخ الزائد عن الحد ، هذا الترشيد للإنفاق بدأ بإعلان قرار تحويل الإعتماد لأي مشاريع تزيد عن 100 مليون إلى مجلس الإقتصاد والتنمية ، وكان قراراً متميزاً لمعالجة “قلة الدبرة” في الكثير من المؤسسات الحكومية ، تبع هذا القرار عدة قرارات وتعاميم لإيقاف بدء المشاريع التي لم تبدأ بعد ، وكان قراراً في محله لإن التصرفات وقت الرخاء من الطبيعي أن تختلف عن مثيلاتها في وقت الشدة . هذه القرارات تتخذ ، في نفس الوقت الذي نعرف أن إحتياطات المملكة المالية (وليس البترولية) القابلة للتسييل خارج المملكة يمكنها تغطية عجز الموازنة لمدة 10 سنوات فيما لو استمر سعر برميل النفط يباع عند 50 دولار . ولم يكن ذلك ليغير من قناعات المجتمع والمختصين بإن الذكاء في التعامل مع الأزمة قبل حدوثها والإستعداد لها بالشكل المطلوب ، وهذه من دروس قصة يوسف . ومع تسليمنا بما ذكرناه أعلاه ، إلا أن الإشكال الذي بدأ يظهر على السطح ، وبدأت الوزارات تطبقه على أرض الواقع هو إيقاف مستحقات الجهات المتعاملة معها ، حتى أجل غير مسمى !!! وقد حدثني أكثر من شخص ثقات عن تجاربهم المباشرة مع مؤسسات حكومية تقر بإستلام أعمالهم وإعتماد مستخلصاتهم ولكنها توقف صرفها ، بل حتى أن بعض هذه المستحقات تم تحرير شيكات بها إستعداداً لتسليمها لهم !!! والحجة أن ذلك تم بناء على توجيهات عليا !! الاقتصاد السعودي -للأسف- اقتصاد ريعي يعتمد على أداء الحكومة ، وأحد المحركات الاقتصادية الكبرى ، والعجلة الرئيسية له هي الإنفاق الحكومي ، جزء كبير من هذا الإنفاق يتم عن طريق المشاريع ، وهذه المشاريع تصب لمصلحة القطاع الخاص الذي تصب منه في مختلف ، هذا القطاع مطلوب منه التصدي لمشكلة البطالة ، والدعم لتخفيض غلاء المعيشة والتضخم ، والمساندة في بناء السكن ، والمساهمة في العلاج والتعليم .. الخ . إيقاف مستحقات القطاع الخاص ، بالشكل الذي يتم حالياً ، ستؤدي بالتالي إلى كارثة اقتصادية وإنهيار في قطاعات متعددة تعمل مع المؤسسات الحكومية ، وأي متخصص مبتديء يعلم أن الجهات التي ستضرر ليست الجهات المتعاقدة مع الحكومة مباشرة فقط ، بل جميع القطاعات المرتبطة بها . فشركة المقاولات التي تتأخر مستحقاتها من الدولة ، ستؤخر هي مستحقات مقاولي الباطن ، ووالتي بالتالي ستؤخر مستحقات المكاتب الإستشارية المتعقدة معها ، كما أنها ستؤخر مستحقات الموردين للمواد المستخدمة في المشاريع ، وتلك ستؤخر مستحقات الشركات الموردة للمواد الخام ، كما أن الكثير منها ستضطر إلى تأخير دفعات القروض المستحقة عليها من قبل البنوك الممولة ، كما أنها ستؤخر الرواتب ، وبالتالي الموظفين سيؤخرون أقساط المدارس ، وقد يضطر الكثير منهم الى التمويل الشخصي لسد إحتياجاته ، وغالياً ستضطر الكثير من هذه المؤسسات إلى إنهاء خدمات بعض موظفيها ، وبالتالي ستزيد دائرة التأثير المجتمعية .. الخ . وهكذا فهي دائرة تبدأ ولا تنتهي ، وكرة ثلج لن تتوقف إلا بتدمير شامل لهذه الشركات والأسر ، وسيزداد التأثير السلبي لإيقاف وتأخير المستحقات بزيادة مدة التأخير . واقع القطاع الخاص في مثل هذه الأزمة يؤصل مفهوم الأمن الوظيفي في العمل الحكومي ، والتهرب من القطاع الخاص ، والبحث عن وظيفة حكومية ولو بربع راتب !! والطريقة التي تتعامل بها الحكومة مع القطاع الخاص لا تدعم منطق مكافحة البطالة ودعم السعودة ، فضلاً عن مقومات إنجاح برنامج توليد الوظائف الذي سيولد خديجاً في هذه الأجواء الملبدة بالمخاوف والمخاطر وتذبذب المواقف ، والتوجهات ، ناهيك عن النتيجة المتوقعة جراء تأخير المستحقات والتي سنشهدها على صعيد مؤسسات القطاع الخاص وسيكون أحد ضحاياها الموظفين السعوديين الذين سيتم الإستغناء عنهم بشكل مباشر أو غير مباشر . أنا لا أطالب هنا بإستمرار تدفق المشاريع ، واعتماد المهم وغير المهم ، ولكني أطالب بسداد المستحقات المعتمدة لمستحقيها بدون تأخير ، بل وأرى أن الحكومة مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بتسريع السداد حتى قبل الإستحقاق ، وذلك لدفع عجلة الأنشطة في شرايين وأوردة القطاعات الاقتصادية المنتجة محلياً ، ولتغيير مزاج التشاؤم السائد ، والذي ساهم في بث روح الإنهزامية في أي استثمار محلي . أخيراً .. حتى لا يقع جاهل أو متعجل في المحذور ، أو في إتهام يفسد عليه شيء من دينه ودنياه ؛ فليس لدي من كتابة هذا المقال أي مصلحة أو فائدة ، فلله الحمد والمنه ليس لدي ريال واحد في أي مؤسسة حكومية أو شبه حكومية ، فلست أنتظر مستخلص يوقع ولا مِنة مسئول ولا دعم مُتنفذ ..

مقالات مال [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

أضافه في 11/29/2015 - 11:54

كعادتك متالق يااخ فهد.. بارك الله فيك

أضافه في 03/04/2016 - 15:12

slm

أضافه عبدالله عبدالعزيز كامل في 11/29/2015 - 12:13

كلام صحيح و في محله جزاك الله خيرا ابا عمر.

أضافه أبا طارق في 11/29/2015 - 12:30

كعادتك متألق يا أخ فهد .... نحتاج الى مكاشفة حقيقية باعتبار ان الوضع الاقتصادي جزء رئيسي من التنمية الوطنية

أضافه يوسف في 11/29/2015 - 22:12

كعادتك ابو عمر
واقعي وصريح واسلوب متميز

أضافه صلاح في 11/30/2015 - 05:55

بارك الله فيك عسى يوصل مقالك صدى

أضافه ابو تركي في 11/30/2015 - 10:59

ابداااااااااااااااااااااااااااااااااااع
استاذي العزيز صببت كلماتك في فوهة المشكلة

لكن هل من مستجيب

أضافه سين من الناس في 02/08/2016 - 17:05

ان يتأخر المقاول بتسليم مشروعه شهر يخصم عليه لكن ان تتأخر الدولة بسداد مستحقاته سنه فهذه قضية فيها نظر!تاخير صرف مستحقات المقاول يزيد التكاليف عليه وبالتالي قد يكون خاسرا حين استلام كامل مستحقاته. الوقت =المال

أضافه م.غضبان في 02/17/2016 - 14:43

صح لسانك لكن الدوله لا تراعي هذا الكلام المقاول يشتغل وفلوسه محفوظه .. مفيس إحساس ان المقاول ده بيشتغل تحت إيده موظفين ورواتب والموظف بيصرف ع عائلته .. ياريت الحكومه تراعي كدا

أضافه م. رزق حجاوي في 02/17/2016 - 14:13

السلام عليكم
هناك دول تعتمد الفيديك في العقود وهو في حالة تأخرصاحب العمل عن فترة 56يوما عن موعد السداد فان من حق المقاول المطالبة بنسبة الاستثمار المعتمدة من البنك المركزي (وهي بحدود 9% سنويا) عن مدة تأخير صرف مستحقات المقاول.
ولكن هذا التعويض للمقاول عن خسارة نتيجة تأخر صرف المستحقات لا يحل المشكلة خصوصا اذا لم يكن هناك سيولة مع المقاول تامن دفعات المقاوليين الفرعيين والموردين والموظفين .. ولكن هذا التعويضيبقى افضل من لا شيء.
وحسب الفيديك اذا لم يتم صرف المطالبات المطالبات المالية له خلال مدة معينة فيحق للمقاول الانسحاب من العقد ومطالبة صاحب بكامل المصاريف والارباح التي كان يستحقها المقاول حسب العقد

أضافه م/ محمد شوقي في 02/18/2016 - 13:19

السلام عليكم
هناك دول تعتمد الفيديك في العقود وهو في حالة تأخرصاحب العمل عن فترة 56يوما عن موعد السداد فان من حق المقاول المطالبة بنسبة الاستثمار المعتمدة من البنك المركزي (وهي بحدود 9% سنويا) عن مدة تأخير صرف مستحقات المقاول.
ولكن هذا التعويض للمقاول عن خسارة نتيجة تأخر صرف المستحقات لا يحل المشكلة خصوصا اذا لم يكن هناك سيولة مع المقاول تامن دفعات المقاوليين الفرعيين والموردين والموظفين .. ولكن هذا التعويضيبقى افضل من لا شيء.
وحسب الفيديك اذا لم يتم صرف المطالبات المطالبات المالية له خلال مدة معينة فيحق للمقاول الانسحاب من العقد ومطالبة صاحب بكامل المصاريف والارباح التي كان يستحقها المقاول حسب العقد

منقوله من المهندس رزق

أضافه محمود عز الدين في 02/18/2016 - 22:25

الله يفتح عليك
مقال متكامل تناول كافة الجوانب الرئيسية للازمة
ربنا يصلح الاحوال و يلهم المسئولين لما فيه صالح العباد و البلاد

أضافه موظف بدون راتب في 02/23/2016 - 12:12

ياناس بن لادن مصخها وين رواتبنا حسبي الله ونعم الوكيل ارجوك استاذ فهد كتابه مقال في تاخير الرواتب لنا شهرين ماستلمتا شي

أضافه مواطن مطفر في 02/24/2016 - 21:42

طفرنا ياخوك ثلاث شهور ما جانا شي والله ما ينفع

أضافه م. عبدالله في 02/26/2016 - 00:16

ليت مقالك يلقى آذاناً صاغية من اصحاب القرار..

صدقت ..
(واقع القطاع الخاص في مثل هذه الأزمة يؤصل مفهوم الأمن الوظيفي في العمل الحكومي ، والتهرب من القطاع الخاص ، والبحث عن وظيفة حكومية ولو بربع راتب !!)

أضافه مقاول وطني في 03/02/2016 - 07:16

لقد اسمعت لو ناديت حيّا ولكن ........

أضافه عبدالرحمن بن عبدالرحمن في 03/08/2016 - 01:08

ايات القران الكريم صريحه في موضوع الامر بالوفاء بالعقود والوعيد بالويل للمطففين والظالمين .
والحق بين والباطل بين لمواطنين ولرجال دوله تحكم بشرع الله ومانالت العزة والشرف الا به والعاقبه للمتقين والرجوع للحق فضيله والله يحب المقسطين

أضافه أبو محمد في 03/12/2016 - 19:28

الاستاذ / فهد جزاك الله خير
والله كفيت ووفيت ووضعت يدك علي مواضع العلل الرئيسية . نحن نؤكد علي سياسة الترشيد نظرا للظروف الاستثنائية ولا يستطيع أحد ان يعترض علي ذلك . ولكن سداد المستحقات الواجبة للمقاولين وبعد ذلك لاتطرح مشاريع الا باعتبارات وشروط محددة وفقا للاهمية والاولية . وان الذي يحدث هذا الان تدمير للسوق بالكامل .

أضافه أ{كان حسين في 12/17/2016 - 17:03

من حق أي دولة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة اعتماد ما تراه في صالح اقتصادها وفي صالح مواطنيها .. ولكن ما نرجوه الا تنسى الدولة ان يكون هناك جدول لتنفيذ خطتها ويكون وفق خطة ممنهجة ويكون هناك رؤية واضحة وشفافية امام الموطنين حتى يتحمل الجميع المسؤلية ، أسأل الله القدير أن يرفع الفاقة والكرب والشدة عن ديار المسلمين ،، سبحانه هو الرزاق العليم ...

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • يتم التعرف على السطور والفقرات تلقائيا. وسم فصل السطر <br />، و وسم بداية الفقرة <p>، و وسم إغلاق الفقرة </p> تضاف تلقائيا. إذا لم تعرف الفقرات تلقائيا، أضف سطرين فارغين بينها.
ابو احمد اهنيك عالموضوع لكن وجهة نظري بأن الاتفاقات الثنائية ليست...
ابو حمد ‏السلام عليكم ورحمة الله وبركاته انا موظف بعقد محدد المدة...
Reem مقال رائع ومفيد
فاتن نحن نمر بمرحله استطيع ان اسميها المرعبه تنام اليوم على...
محمد الطفيف الشخص الخلوق ذو القلب الناضح بصفاء السريرة حتماً سيصنع...