الثلاثاء 06 جمادى الثانية 1442 - 19 يناير 2021 - 29 الجدي 1399

سطوة الاقتصاد و حرية الإعلام

م. رياض بن ناصر الفريجي

لقد تحدثت في المقال السابق عن السيطرة الإحتكارية لكبار الرأسماليين على المؤسسات الإقتصادية العاملة في مجال التكنولوجيا، وهو ما خلق نوعاً خطيراً من الهيمنة الرأسمالية على صناعة الإعلام الجديد، وأثر بلا شك على سقف الحرية التي من المفترض أن تتمتع بها كافة وسائل الإعلام.

إلا أن هذه النقطة لا تزال تمثل إشكالية جوهرية في قضية اقتصاديات الإعلام الجديد، فضلاً عن كونها تمثل ميدانًا نقاشياً للإختلاف بين الإعلام التقليدي والجديد، والذي يقوم فيه الأفراد بدور مختلف، إذ أصبح الشخص بإمكانه أن يقوم بدور مدير برامج قناة ليصنع من خلالها ما يريد أو رئيس تحرير جريدة أو موقع اخباري ينشر فيه ما يرغب .

وعلى الرغم من ذلك، فإن تأثيرها على حدود مساحة الحرية التي تمنحها لمستخدميها قد انحصرت في بعدين اثنين لا ثالث لهما..

أما الأول فيتمثل في اتساع نطاق الحرية، إذ بات بإمكان أكبر قطاع ممكن من البشر التفاعل مع كافة الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتحول الفرد الذي اعتاد القيام بدور المتلقي من خلال وسائل الإعلام التقليدية (المقروءة أوالمسموعة أو المرئية)، إلى مشارك في صنع المادة الإعلامية عبر وسائل التواصل الإجتماعية، وهو ما مثَّل طفرة واضحة في مساحة حرية التعبير إلى الحد الذي اختلطت فيه حدود التعبير بالفوضى، ولا سيَّما مع الأحداث التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط، والعالم العربي خلال السنوات الأخيرة والذي مثلت فيه وسائل التواصل الاجتماعي الميدان الأبرز والأكثر تأثيرًا وفاعلية في صناعة تلك الأحداث.

أمَّا الثاني فقد تمثل في اتجاه هذه الحدود واتجاهات تلك الحرية التي انقسمت بدورها هي الأخرى إلى شقين: 

أولهما يتصل بقطاع الجمهور الذي غلبت عليه الفوضى في ممارسته لحق التعبير. والثاني يتصل بمستوى المؤسسات الإعلامية الكبرى المسيطرة على الممارسات الإعلامية عبر الإنترنت، التي شهدت تغييرًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة بفضل الطفرة التكنولوجية في مجال أبحاث السوق وتكنولوجيا المعلومات.

فبالنظر إلى أبعاد سطوة الإقتصاد وسوق السيطرة الرأسمالية على الاقتصاد العالمي، نجد أن مؤسسات صناعية كبرى، مثل:“إيكسون موبيل”، و”جنرال إلكتريك”، و”سيتي غروب”، و”شيل أويل”، شهدت جميعها تراجعًا في ترتيبها بين كبرى المؤسسات الإقتصادية على مستوى العالم لتحل محلها كبرى الشركات المسيطرة على الإنترنت وتكنولوجيا المعلومات مثل شركة “جوجل”، و”فيس بوك”؛ وذلك نتيجة لإنخراط مثل تلك الشركات في الأنشطة الاقتصادية كالإعلانات على سبيل المثال.

 وتكفي الإشارة هنا إلى أن حصة شركة “جوجل” من سوق الإعلانات على محركات البحث هي 88%، وحصة “فيس بوك”، و”انستغرام”، و”واتساب”، و”مسنجر”، تمثل 77% من حركة المواقع الإجتماعية على الهواتف المحمولة، في حين تسيطر شركة “أمازون” على 74% من سوق الكتب الإلكترونية. 

فالإعلام الجديد ألقى بظلاله على الإعلام التقليدي؛ إذ أسهم كونه قائمًا على لامركزية المعلومات وانتشاره بين الناس، في إحداث تغيير كبير داخل عناصر العملية الاتصالية وزاد من حرية التعبير لدى الأفراد ومشاركتهم في صنع الحدث الإعلامي من خلال عملية التغطية المباشرة للأحداث، أو من خلال الرأي في إدلائهم للتعليقات حول ما يرونه ويعايشونه كشكل من أشكال التغيير في الرسالة من حيث المضمون المقدم ومقاربته لهموم الناس وتطلعاتهم.

كذلك أسهم الإعلام الجديد في الكثير من التغييرات التي طرأت على وسائل الإعلام التقليدية التي كانت نتاجًا وإفرازًا للمشكلات التي واجهته مع دخول التقنية، فانظر معي إلى تفتت الجماهير بين الوسائل، وتنامي المنافذ الإعلامية الذي أدى إلى توزيع الجمهور المنتظر للمعلومة بين الصحف الإلكترونية، ومواقع الشبكات الإجتماعية، وخدمات الهاتف الذكي من جهة أخرى؛ وهو ما يمكنني التعبير هنا عنه بانكماش حجم الجمهور نتيجة لتفتته، وهو ما دعا كثيرًا من المؤسسات الإعلامية إلى الإستعانة بخطة 360 درجة، وهذا ما سنتعرف عليه في المقال القادم بإذن الله تعالى. 

اقتصاديات الإعلام .. مقاربة جديدة [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو