الخميس 18 ربيع الثاني 1442 - 03 ديسمبر 2020 - 12 القوس 1399

هل تستطيع الصين التحول للدولة الكهربائية؟

نظمي محمد علي الخميس

إن نجحت الصين في أن تصبح دولة كهربائية بشكل تام، فإنها ستقود زلزالا بنيويا في جيوسياسية الطاقة العالمية. تحاول بعض الدول التحول لمفهوم الدولة الكهربائية لأسباب مختلفة، بالتحول التام عن استخدام الوقود الهيدروكربوني في مزيج الطاقة الوطني، فهل تنجح الصين؟ للإجابة على هذا السؤال لا بد لنا من معرفة أسباب رغبتها في التحول والسؤال الأهم هل من الممكن لها الاستغناء كلية عن الوقود الاحفوري واستبداله بمنظومة الطاقة الخضراء. بمستوى كفاءة التكنولوجيات المعاصرة ومعدل تطورها التكنولوجي وطبيعته، لا يمكننا رؤية تحقق مفهوم الدولة الكهربائية في المدى المنظور. 

يقوم مفهوم الدولة الكهربائية على استخدام الطاقة الخضراء، أي الالواح الشمسية وطاقة الرياح وتكنولوجيات البطاريات الكهربائية، بشكل كلي في توليد الطاقة الكهربائية وكذلك كهربة كل جوانب الطاقة في الاقتصاد الوطني الاخرى كقطاع المواصلات والتدفئة. يأمل منظرو الطاقة الخضراء لبناء منظومة طاقة اقتصادية ومتكاملة، لكي تكون بديلا واقعيا لاستخدام الوقود الهيدروكربوني، أي النفط والغاز الطبيعي والفحم، وكذلك الطاقة النووية.

هنالك جوانب متعددة لرغبة الصين للتحول للدولة الكهربائية. أولا، ففي تطلعها لأن ترسخ دورها كقوة عظمى منافسة للولايات المتحدة الامريكية، تسعى الصين لتأمين منظومة طاقتها "المهدد" في نواحي متعددة. ففي توليد الطاقة الكهربائية تعتمد الصين بشكل كبير على الفحم. تعتبر الصين أكبر مستهلك حاليا للفحم المنتج من اراضيها، إلا أن علامات نضوبه بدأت تُقلق صانعي القرار، لأن الصين بدأت باستيراده من الخارج، من استراليا ومنغوليا، مما يجعل تامين مصادره من الخارج مصدرا لإثارة القلق. من جانب آخر، وبسبب محدودية احتياطيات الصين من الوقود الهيدروكربوني، لا تستطيع الصين الاعتماد على استيراد الغاز الطبيعي والنفط من الخارج بمستوى عال، لما له من بواعث جيوسياسية سلبية كدولة عظمى. كما أنه من المفترض أن تعتمد بشكل ذاتي في تأمين سلسلة موارد الطاقة من النفط والغاز الطبيعي والفحم، فأمن الممرات المائية كمضيق ملقا وهرمز وباب المندب وقناة السويس وخطوط الملاحة حيوي، وهو ما تقوم به منافستها حاليا، أي الولايات المتحدة الامريكية. فمن جهة أخرى، استطاعت ثورة الغاز والنفط الصخريين أن تعزز أمن الطاقة للولايات المتحدة الامريكية، مما جعل حماية الممرات المائية أقل الحاحا لها.

ثانيا، بجانب ذلك، تسعى الصين كدولة عظمى أن تقود العالم نحو ثورة الطاقة الخضراء، من خلال الأبحاث والتطوير وكذلك صناعتها، مما يضفي عليها أبعادا اقتصادية وجيوسياسية في إطار منافستها مع الولايات المتحدة الامريكية. ثالثا، تريد الصين ترقية المستوى المعيشي لسكان المدن، بتقليل تلوث الهواء الناجم من احراق الوقود الهيدروكربوني. رابعا، ترى الصين أن لديها ميزة نسبية في مجال استخراج المعادن وتكريرها والتي تُعتبر من المعطيات الاساسية للطاقة الخضراء. أخيرا، ترى الصين أن قيادة العالم نحو الطاقة الخضراء يعزز قيادتها للعالم في مكافحة التغير المناخي، بكل ابعاده الجيواستراتيجية.

 يعتمد نجاح هذا السعي على نجاح منظومة الطاقة الخضراء في إحلال المنظومة الحالية القائمة أساسا على استهلاك الوقود الهيدروكربوني، وهو أمر لا يبدو قابلا للتحقق بسبب مستوى كفاءة التكنولوجيات المعاصرة في أن تكون بديلا مستداما وقابلا للتحقيق. فعلى الرغم من انخفاض تكلفتها التعادلية بشكل جوهري في العقد الماضي حيث أصبحت الالواح الشمسية وتوربينات الرياح منافسة للفحم والغاز الطبيعي في توليد الكهرباء، إلا أن إضافتها بمستوى عال في الشبكات الكهربائية، يتطلب استحداث تقنيات خزن كهربائي غير قابلة للنضوج في المدى المنظور، أضف الى ذلك تكلفة ترقية الشبكات الكهربائية الحالية للشبكات الذكية. أي أن الاستغناء عن الوقود الهيدروكربوني وخصوصا الغاز الطبيعي في توليد الكهرباء، ليس في المدى المنظور. فما يحدث ولاية كاليفورنيا الامريكية من الانقطاعات المتكررة للكهرباء، والتي تعتمد بشكل كبير على الالواح الشمسية وطاقة الرياح في توليد الكهرباء (بنسبة 33%)، دليل عملي على عدم جاهزية منظومة الطاقة الخضراء. ومن جهة أخرى تعتمد هذه المنظومة على استهلاك معادن مختلفة، بعضها شديدة النضوب، فتشير دراسات متعددة من البنك الدولي وغيره على استحالة أن تفي سلاسل توريد المعادن الناضبة بمعدل التدفق اللازم لصناعة منظومة الطاقة الخضراء. يظهر أثر ذلك بشكل أكبر في السيارة الكهربائية ذات الاستخدام الكبير للمعادن، حيث تشكل قيمة المعادن الخام المكونة لها أكثر من 55% من قيمتها. كما أنه من غير المبرر أن تسود السيارة الكهربائية في قطاع المواصلات، ككابح لانبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون، إن لم يتم كبحها بسيادة الالواح الشمسية وتوربينات الرياح في قطاع توليد الكهرباء.

لذلك، فمن المتوقع بشكل كبير، ألا تستطيع الصين التحول لدولة كهربائية بشكل تام، فلن تستغني الصين على النفط في قطاع المواصلات، أو الغاز الطبيعي والفحم في توليد الكهرباء. إلا أن سعي الصين لأن تكون دولة عظمى، بقيادة العالم في مجال الطاقة الخضراء ومكافحة التغير المناخي سوف يحفز سعيها في أن تكون المصنع الرئيسي لمنظومة الطاقة الخضراء.  
 

كاتب متخصص في شؤون الطاقة والتغير المناخي [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو