السبت 13 ربيع الثاني 1442 - 28 نوفمبر 2020 - 07 القوس 1399

"بس أنت عندك بلياردو في العمل"؟

حيدر العبدالعال

سؤال بسيط وجهه لي ابني البالغ من العمر ٥ أعوام  أثناء حديثه معي وسط محل الألعاب لإقناعي بفكرة شراء لعبة "بلياردو"، بينما كنت أحاول جاهدًا إقناعه بالعدول عن شرائها لكبر حجمها، أو انخفاض جودتها و ارتفاع سعرها. و مع نجاحي في اقناعه إلا أن نظرة التعجب والاستغراب على وجه موظف محل الألعاب،  بعد سماعه لسؤال ابني  لم تغب أبدًا عن بالي.

عملت في إحدى شركات القطاع الخاص بالخارج وكان لدينا طاولة بلياردو في العمل! وعلى الرغم من أنني لاأستهوي اللعبة ولا أجيدها إلا أن وجودها في إحدى صالات مقر عملي انذاك تمثل رمزًا خاصًا ونقطة اختلاف بين فريقين متنازعين. الفريق الأول يراها نشاطًا غير مهني يفضي إلى هدر ساعات العمل، ويقلل من انتاجية الموظفين،  وبالتالي يؤدي إلى تمييع الهوية الاحترافية الراسخة في الشركات والقائمة على ارتداء الزي الرسمي، والحذاء الأسود اللامع وحمل حقيبة جهاز الكمبيوتر المتنقل (اللابتوب)، ناهيك عن أنشطة العمل الاعتيادية مثل تسجيل الحضور والانصراف. وعادةً ما يغادر أعضاء هذا الفريق مقر العمل مع أول دقة لعقارب آخر ساعة من ساعات العمل الرسمية، وبحسب تعريفهم الخاص للانضباط فإنهم يرونه أمرًا مطلوبًا ومهمًا، ويعتبرون اللعب أمرًا محرمًا وممنوعًا. ويصعب في العادة تكليفهم بمهام وأدوار خارج نطاق مسؤولياتهم ...  أُطلِق عليهم مصطلح "القطارات البخارية" والتي بلا شك لعبت دوراً محورياً في دفع عجلة الثورة الصناعية قبل مئتي عام من خلال قدرتها على نقل البضائع المختلفة بقوة وسرعة لا تضاهي آنذاك أي وسيلة أخرى، غير أنها تتطلب مسارًا معبدًا ومحددًا  (وبالتالي تكاليف عالية في مرحلة التأسيس). هذه القطارات تغادر وتصل إلى محطات محددة وفق جدول زمني مدروس، وقد تصطدم ببعضها البعض، أو تتوقف عن العمل في حال حصول أي خطأ في جدولها الزمني، أو وقوع خلل لدى الجهة المعنية  بالسكك الحديدية.

الفريق الثاني -والذي نادراً مايلعب أعضائه "البلياردو"- ولعله يعتبرها مفتاح التغيير وبصمةً لهويته القائمة على قياس الإنتاجية، ولا يحصرها بساعات الحضور والإنصراف. يحرص أعضاء الفريق الثاني على قضاء ساعات العمل مع زملائهم كأخوة وعائلة واحدة، فلا ترتبط ساعات العمل لديهم بنطاق زمني محدد له بداية أو نهاية. أتساءل في بعض الأحيان، ما إذا كان لدى أعضاء هذا الفريق منازل ليعودون إليه مع نهاية اليوم، حيث تراهم تارةً  أول الحاضرين صباحاً إلى مقر العمل وذلك بعد انتهائهم من مزاولة الأنشطة الرياضية في النادي الصحي، ويتناولون كل وجباتهم  الرئيسية في مقر العمل، وتراهم تارةً أخرى عاكفين على مشروع غير مجدول ضمن قائمة مهامهم ولا حتى من ضمن اختصاصاتهم.

عادةً مايطرح الفريق الثاني  أسئلة تبدأ بـ"لماذا" غير أنهم لا يسألون "كيف أو ماذا". وقد ينشأ أعضاء الفريق الثاني "جروب" فرعي (غير "جروب" الخاص بالعمل) في تطبيق  "واتس اب" يتناولون  فيه آخر مستجدات التقنية مثل أخبار السيارة الحديثة "تيسلا"، ومقالات مجلة هارفارد المعروفة، ويتناقشون في طرق وسبل توطين وانتهاج استراتيجيات كبرى الشركات الناجحة في مقر  العمل. وعادةً ما تتأخر مخرجاتهم إذ تتطلب المرور خلال عدة مستويات من المراجعة، وتشعل مشاريعهم حروب في المنظمات بسبب جرأة الطرح أحيانًا، أو لافتقارها إلى الأساس العملي والمنطقي.

يواجه الفريقان صراعًا مستمرًا يتمحور حول  رمزية وجود "البلياردو" في مقر العمل؟ هل هي أداة لعب ولهو وتضييع للوقت يجتمع  حولها منخفضوا الإنتاجية واللاواقعيون؟ أم أنها وسيلة لتعزيز التنافس وروح الفريق والترفيه لمساعدة الفريق على قضاء ساعات العمل الطويلة وتحفيزهم على الإبداع؟ يعد هذا الصراع ازليًا  وليس بجديد على أية بيئة عمل، وبطبيعة الحال فإنه يشكل تحديًا قائمًا في القطاع الحكومي والخاص. يكمن أساس التحدي في وجود تغير جذري لمتوسط أعمار الموظفين واهتمامتهم ونسيجهم من ناحية،  في وقت تلعب فيه التقنية الحديثة وثورة المعلومات دورًا حيويًا في تغيير مفاهيم بيئة العمل من ناحية أخرى.

لا أرى خطأ أو غلبة لفريق دون الآخر، لكنني أجد المتعة والسعادة  باستمرار مثل هذه المواجهة أو ما أراه في نظري نوعًا من الاختلاف الإيجابي والبنّاء بين الطرفين طالما كان الهدف بناء منظومة بمعايير عالمية قادرة على جذب أفضل الموظفين وسط بيئة معززة للإنتاج والإبداع،  ويظل دور القائد الناجح والملهم هو إيجاد خليط بيئة العمل الأنسب والتي تعظم مخرجات فريق العمل بمختلف شرائحه، غير أن ما يسعدني أكثر أن ابني لم يسألني حتى الآن عن سبب وجود "البلاي ستيشن" في بعض مقرات العمل بالخارج...

مستشار في الإدارة الاستراتيجية بقطاع الطاقة والاقتصاد [email protected]

    مقالات سابقة

المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

أضافه حمد الشايع في 10/19/2020 - 11:53

مقالة رائعه من كاتب رائع. خلال السنوات الاخيره اثبت فشل اي بي ام ان الصرامه في التعاطي مع بيئة العمل تقتل الابداع التقني وهذا مايثبته عمالقة التقنية في السنوات الاخيره مقارنة بالشركات التقليديه..

تحياتي وتقديري

إضافة تعليق جديد

الفيديو