الجمعة 19 ربيع الثاني 1442 - 04 ديسمبر 2020 - 13 القوس 1399

قراءة في سياسة المملكة للطاقة للمستقبل: تحديات كبيرة وفرص جديدة 

نظمي محمد علي الخميس

سياسة الطاقة والنفط في قلب السياسة الاقتصادية للمملكة. وهي كذلك مؤثرة في الاقتصاد العالمي، بما حباها الله من نعمة وفرة النفط، مما يجعل اسم المملكة يتردد باستمرار عند الحديث عن تأثير أسعار النفط على كل مستهلك حول العالم. من جهة أخرى، فبُعدها العالمي ذو ارتباط وثيق بالبعد المحلي. مرت سياسة المملكة للطاقة بتحديات مختلفة منذ بداية تصدير النفط لأول مرة في عام 1939م. منذ ذلك الحين، بدأ العمل على إنشاء بنية تحتية موثوقة، ليتم الانتقال للتأثير العالمي مع تحول النفط لاهم سلعة عالمية مع بداية الخمسينيات والستينيات. في خلال العقود السبعة المنصرمة، تغيّر كل من البعدين المحلي والعالمي بشكل حاد، وتشكلت سياسة الطاقة في المملكة لتستوعب التغيرات والمعطيات المستجدة.

أما ما يحدث الآن فهو مختلف ولا يمكن لاحد التقليل من آثاره، فهو تغير جذري، يُنبأ بتغيرات راديكالية في المستقبل. لذلك، لم تعد سياسة الترقب وردة الفعل تناسب المرحلة القادمة، وهو ما بدأ صانع القرار في المملكة بإدراكه واستيعابه في جملة استراتيجيات وسياسات، تنقل المملكة لوضع الفاعل. فالتحديات والفرص على الساحة المحلية كثيرة ومتعددة وأبرزها رؤية 2030، كما أن الساحة العالمية بدأت تشهد محاولات أكثر جدية من السابق لتحول الطاقة عن الوقود الهيدروكربوني تُنبؤ بتغيرات دراماتيكية وحادة خلال العقود الثلاثة القادمة، فهي تمثل تهديدا وجوديا للنفط، لا يمكن التقليل من خطرها.

في البعد المحلي، رؤية 2030 طموحة في نظرتها للمستقبل، وتتطلب العمل من الآن بتحدي الأعراف التي طغت على سياسة الطاقة في الماضي. تشدد الرؤية على إيجاد قطاعات لديها القدرة على العمل كمحركات قوية للاقتصاد تعمل مع عائدات النفط للانتقال بالاقتصاد السعودي الى مصاف الدول المتقدمة اقتصاديا. فتعميق مبدأ الكفاءة الاقتصادية وتحرير أسواق الطاقة وتنويع مزيج الطاقة المحلي هي أحد أهم ملامح انتقال المملكة من الاقتصاد الريعي الى تبني اقتصاد السوق الحرة. تتضمن الثورة على المألوف في اسعار وقود السيارات، والكهرباء، وتبني نظام كفاءة، وتحرير النفط كوقود في توليد الكهرباء بزيادة حصة الغاز الطبيعي وإدخال كلا من الطاقة المتجددة والنووية في مزيج الطاقة السعودي.   

أما في البعد العالمي، فعنوان المرحلة القادمة هو التعقيد والغموض المتزايدان في مستقبل تحول الطاقة وتحدي التغير المناخي والطلب على النفط. طرحت المملكة الاقتصاد الدائري للكربون كأحد الحلول الجادة والواعدة والتي تجعل انبعاثات استهلاك الوقود الهيدروكربوني منخفضة. من جهة أخرى، فإن منافسة الاقتصاد الأخضر للاقتصاد الهيدروكربوني ستحدد مزيج الطاقة العالمي وتحول الطاقة برمته. 

لمجابهة هذه التحديات واقتناص الفرص، فإن تجديد الأداء الاستراتيجي بتبني خطة استراتيجية مترابطة ومرنة لاستيعاب كلا من تعقيد وغموض المرحلة القادمة هو أمر مُلح. إن كلا من الابتكار التكنولوجي والبحث العلمي المؤسسي والاستثمار الموجه وتوعية الاعلام وتعبئته هم الادوات الاساسية لأي استراتيجية ناجحة لكي تستطيع الأهداف لاستراتيجية كمبادرة الاقتصاد الدائري للكربون واشتقاق الهيدروجين من النفط، وإصلاح الأسوق، أن يؤتي أكلهم.

تغيير وضع النفط الفريد في الاقتصاد السعودي
تؤطر رؤية 2030 لتغيير وضع النفط في الاقتصاد السعودي بالتدريج. حاليا، النفط هو المحرك الرئيسي للاقتصاد السعودي، والمصدر الرئيسي لتمويل الميزانية المالية الحكومية. فعن طريق عائدته، تستطيع الحكومة تحفيز الاقتصاد، كما أن الدولة تستمد كثيرا من وضعها الجيوسياسي كلاعب أساسي في أسواق النفط. تعكس المصلحة الوطنية في شؤون النفط تقدير العديد من العوامل المهمة، ومن أبرزها: الإدارة الرشيدة للموارد النفطية، وتعزيز الدور الجيوسياسي للنفط، والتوجيه الاستراتيجي لمساهمة النفط في دفع عجلة التقدم الاقتصادي وتحقيق رؤية 2030، فعائدات النفط ستوفر المخصصات المالية والتحفيزية لدفع رؤية 2030 نحو النجاح. 

على المدى البعيد، تؤطر الرؤية المحافظة على القيمة الاقتصادية والجيوسياسية للنفط، وبقائه رافدا للميزانية المالية الحكومية، ولكن بدون أن يكون المحرك الأوحد للاقتصاد السعودي، وذلك لتعزيز مناعة الاقتصاد ضد التقلبات، بالإضافة النوعية لقطاعات اقتصادية أخرى. في هذا السياق، بدأت الحكومة في الإلغاء التدريجي لدعم الطاقة وتنويع مزيج الطاقة وإرساء برنامج "كفاءة" وبرنامج "إحلال السوائل الهيدروكربونية". في جانب استدامة الطلب على النفط، طرحت المملكة مبادرة الاقتصاد الدائري للكربون ومبادرة استخراج الهيدروجين من النفط. في البعد العالمي، يواجه النفط تهديدين رئيسيين: سياسات تغير المناخ، والتوقعات غير المؤكدة لنمو للطبقة الوسطى العالمية، وسط تراجع العولمة والنظام الاقتصادي الليبرالي العالمي، وبالتالي انحسار الطلب على النفط. 

إن غريمنا في معركة استدامة الطلب على النفط هو الاقتصاد الأخضر، بكل سلوكه الباعث على الاعتقاد بأن المعركة القادمة لن تحكمها قوانين السوق فقط أو المنافسة الشريفة، وهدفه هو أن يكون تحول الطاقة العالمي نحو تكنولوجيات الألواح الشمسية وطاقة الرياح وبطاريات الليثيوم بإقصاء الوقود الهيدروكربوني بشكل تام. فمواقع المعركة تتضمن أيضا الاستثمار في الابتكار التكنولوجي، والاستثمار الاجتماعي الموجه، وتسعير الكربون، والدعم المالي، والتعليم والاعلام والتعبئة والتأثير على الشباب. كما أنها تتضمن الدعوة لعدم الاستثمار في الوقود الهيدروكربوني بدعوى عدم الاستدامة، في حين لا يبدو الاقتصاد الأخضر مستداما بسبب اعتماده على معادن نابضة وتكنولوجيات لا توفر استثمارا اقتصاديا في تدوير بعض المعادن شديدة النضوب، وكذلك عدم نضوج جدارته التكنولوجية.  

مستهدفات سياسة المملكة للطاقة الاستراتيجية
يمكن اجمال مستهدفات استراتيجية المملكة للطاقة في النقاط السبع التالية:
1- الموائمة مع رؤية 2030: رسالة رؤية 2030 هي ازدهار الشعب السعودي. تحدد القوة الاقتصادية مكانة الدولة ودورها في النظام الدولي وتحدد قدرتها على تعزيز مصالحها الوطنية. توفر رؤية 2030 تأكيدًا أكثر ثباتًا لتعزيز التحول الاقتصادي نحو اقتصاد المعرفة، بإصرار كبير. التحدي الكبير هو جعل القطاعات غير النفطية محركات للنمو الاقتصادي، وزيادة مناعة الاقتصاد ضد صدمات الاسواق والازمات العالمية. في البداية، سيتطلب تحقيق انتقال اقتصادي سريع وسلس إعادة توجيه تدفقات عوائد النفط نحو تمويل عملية التنمية عن طريق تمويل الإجراءات المتعاقبة والمنسقة. عندها، يمكن أن تعزز قطاعات الاقتصاد بعضها البعض عند بوجود التمويل الكافي. تأطير أدوار النفط في جميع أطوار عملية التنمية يمثل أمرًا محوريًا للانتقال السلس إلى التحول الاقتصادي المنشود، فتمويل التحول وجعله محصنًا ضد تقلبات أسعار النفط أمر بالغ الأهمية. إلى جانب الاقتصاد، يهدف الفعل الجيوسياسي للطاقة إلى تعزيز الامن الوطني، من خلال سياسات مدروسة. تتلخص الاهداف التنموية لسياسة الطاقة في ثلاث نقاط: تعزيز التحول الى اقتصاد المعرفة؛ وإنشاء طبقة متوسطة ذات نطاق عريض تساهم في توسيع وتعميق عامل الاستهلاك كمحفز للنمو؛ وتعزيز الملاءة المالية والجيوسياسية للدولة. الأمر المستحدث هو دمج سياسة الطاقة في التنمية الاقتصادية بشكل أوسع وأعمق من السابق لدعم نمو القطاعات غير النفطية. 

2- العمل على استدامة الطلب على الوقود الهيدروكربوني، والتحوط لمستقبله: تكمن استدامة الطلب على النفط في الحفاظ على نمو الطلب في قطاعات استهلاك مشتقاته الرئيسية، المواصلات والكيميائيات، وتوسيع أسواقها أفقيا وعموديا، أو تغيير طبيعة المشتقات لملائمتها للمستقبل، وكذلك في استحداث أسواق جديدة، بحيث تصب جملة هذه الإجراءات على تعزيز قيمته الاقتصادية والجيوسياسية. المعادلة الذهبية لنموذج الأعمال الجديد للنفط هو أن يكون اشتقاق المركبات من الذرات المُكوِنة للنفط على النحو التالي: الهيدروجين لاستهلاك الطاقة والكربون لصناعة الكيميائيات. لن يكون ذلك إلا عن طريق الابتكار التكنولوجي الحثيث لتحقيق هذه المعادلة واستيعاب الاقتصاد الدائري واقتصاد الهيدروجين في سلاسل التوريد للنفط.

3- مواصلة مساعدة أسواق النفط على اكتشاف مسار السعر العادل عن طريق قيادة أوبك: يجب أن تكون نقطة البداية لأي استراتيجية هي ضمان بقاء المملكة العربية السعودية اللاعب الرئيسي في أسواق النفط. النتيجة الطبيعية لحقيقة أن أسواق النفط عالمية النطاق هو أن أي حدث يحدث في جزء من أي سوق سينتشر ليؤثر على كافة الأسواق الأخرى. لقد جعلت عولمة أسواق النفط من الاستقلال في مجال الطاقة هدفًا عفا عليه الزمن لسياسات الطاقة، في حين أصبح الاعتماد المتبادل في مجال الطاقة أمرًا لا جدال فيه. فالوصول للسعر العادل وتخفيف تذبذب الأسعار وتجنب الدخول في دورات اقتصادية عميقة لسعر الكربون هي اهداف مشتركة بين المستهلكين والمنتجين، وهو المجال الذي تستطيع فيه المملكة قيادة الأسواق بطاقتها الاحتياطية وحجم صادراتها واحتياطاتها المؤكدة ذات التكلفة المنخفضة نسبيا. 

3- تنويع مزيج الطاقة السعودي: تحرير كلا من النفط ولاحقا الغاز الطبيعي للتصدير هو هدف جيوسياسي. لا بد من التقليص التدريجي في استخدام النفط في إنتاج الكهرباء للحفاظ على الطاقة الاحتياطية بأقل تكلفة ممكنة. إن زيادة إنتاج الغاز المحلي، وادخال تكنولوجيات الالواح الشمسية وتوربينات الرياح، وكذلك ادخال كلا من الطاقة النووية، والهيدروجين هو في صميم هذا الهدف الاستراتيجي.

4- مواصلة تحرير أسواق الطاقة المحلية: تعكف وزارة الطاقة على هيكلة القطاع بوتيرة تدريجية. إن إنشاء أسواق طاقة محّكمة وتنافسية ومرنة وفعالة وشفافة وقائمة على قواعد السوق تؤدي الى الوصول إلى طاقة موثوقة بتكلفة معقولة. تُعد الإصلاحات الموجهة نحو السوق في قطاع الطاقة أمرًا حيويًا لتطوير القطاع. عند استخدام دلالات الأسعار لزيادة الاستهلاك و/أو ترجيح خيارات تكنولوجية أكثر كفاءة، قد يكون من الضروري تخفيف الآثار المحتملة على الأسر ذات الدخل المنخفض؛ يمكن تحقيق ذلك غالبًا باستخدام مجموعة متنوعة من الآليات التشريعية ومنها حساب المواطن.

5- المملكة كلاعب رئيسي في أسواق الغاز الطبيعي العالمية: المملكة بحاجة إلى تنويع محفظتها الاقتصادية والجيوسياسية للحفاظ على موقعها الجيوسياسي وبل تحسينه على الساحة العالمية على المدى البعيد. تستطيع المملكة توأمة النفط والغاز الطبيعي مع مستهدفات رؤية 2030، لبناء محفظة اقتصادية وجيوسياسية قابلة للنمو والتصدي بمرونة مع تصاعد الأخطار في المستقبل. على الرغم من كونها ليست من رواد أسواق الغاز الطبيعي الحالية، بل أنها لم تصبح مُصدِّرا حتى الآن، إلا أنه لا يجب أن يمنع ذلك التوجه في أن تكون لاعبًا اساسيا في سلسلة قيمة الغاز الطبيعي العالمية. فعلى الرغم من أن العالم لا يواجه ندرة آنية في موارد الطاقة، يمكن للعوامل الجيوسياسية أن تمنح المملكة فرصا أكبر للعب دور مهم في أسواق الغاز الطبيعي العالمية.

7- تعزيز أمن الطاقة السعودي: يعتمد الأمن القومي للمملكة على إمدادات الطاقة بوتيرة متواصل وغير منقطع وعند أسعار معقولة. إن تعزيز مناعة أنظمة الطاقة، وتوفير استثمارات كافية للتمويل، وبناء بنية تحتية قوية للطاقة، واستقرار الاستهلاك المحلي، والحفاظ على جاهزية الاحتياطي البترولي الاستراتيجي، وتنويع مصادر الطاقة يعزز أمن الطاقة.

نحو بناء استراتيجية موحدة ومتينة للطاقة
في كثير من الاحيان، تكون القدرات الاستراتيجية المكتسبة كامتلاك التكنولوجيا والتفكير الاستراتيجي، وليس الافضلية المقارنة فقط كامتلاك الموارد، هي العوامل التي تحدد مدى نجاح أي خطة. ايضا، تحتاج اي استراتيجية راشحه إلى استيعاب كل من السياق العالمي والعوامل المحلية في تركيبة استراتيجية متكاملة. فقد تختلف الخطة الاستراتيجية تبعا للقدرات المالية والمؤسسية والتكنولوجية؛ والتقاليد السياسية والتنظيمية وهياكل الأسواق؛ وعوامل أخرى. في حين قد تتعارض بعض التدابير قصيرة الاجل مع الاهداف طويلة الاجل، لا بد من توافق الانتعاش الاقتصادي في الأجل القصير مع الاولويات طويلة الاجل. من جانب آخر، يجعل عدم اليقين المستمر في السياسة من الصعب على المخططين تطوير استراتيجيات أعمال متوسطة وطويلة الاجل. لذلك لا بد من المرونة عند وضع الخطة الاستراتيجية لاستيعاب تدفق المعلومات المستمر الناتج من الضبابية والتعقيد.

تتلخص الأدوات الاستراتيجية للمملكة في النقاط التالية:
1- الابتكار التكنولوجي: أصبح الابتكار التكنولوجي الأداة الأهم في زمن تحول الطاقة المتسارع. إن إنشاء شبكة عالمية للابتكار التكنولوجي بحيث تكون نواتها في المملكة وتختص باستدامة الطلب على النفط سيوفر الوقت، ويزيد فرص النجاح. وظيفة هذه النواة هو مُبادئة، وتنشيط، وتنسيق، ودعم والمشاركة في عولمة الابتكار التكنولوجي الموجه لخدمة استراتيجية الطاقة للمملكة. في زمن يتسم بتغيرات سريعة ومستمرة وغير متوقعة بفعل الابتكارات التكنولوجية المتسارعة، يتطلب امتلاك قدرات ابتكارية ديناميكية، والقدرة على استيعاب ابتكارات الآخرين كشرطين أساسيين للمحافظة على تنافسية أي صناعة. لا بد من وجود استراتيجية وطنية راسخة للبحث العلمي يكون القسم المختص بالابتكار التكنولوجي في مجال الطاقة جزء منها. لا بد وأن ترتبط بشبكة الابتكار التكنولوجي العالمية، حتى لا تبدأ المملكة من نقطة مكبِلة، ويتبعثر الجهد، وتقل التكلفة، وتزيد احتمالات النجاح، مادام هنالك هدف مشترك للنجاح. من ذلك، إن اقامة معامل خاصة بوزارة الطاقة أمر أساسي لتكون في الخط الأمامي للتصدي للابتكار التكنولوجي ويكون لصناع القرار القدرة على استشراف البدائل التكنولوجية المتاحة بأقل ضبابية ممكنة. هذا لا يعني أنها ستقوم بالبحث العلمي الذي سيقود لتكنولوجيات الاقتصاد الدائري للكربون أو الاشتقاق المباشر لكل من الهيدروجين والكيميائيات من النفط، ولكن وظيفتها ستقتصر على تقدير الإطار الزمني والاقتصادي الذي يمكن أن تنضج فيه هذه التكنولوجيات. إن ترسيخ مكانة المملكة كمحور لصناعة النفط وتغيير نموذج أعمالها نحو الاقتصاد الدائري للكربون والانخراط في الثورة الصناعية الرابعة يعتمد على بناء الكفاءات الاساسية. إن الابتكار يحدث على الأرجح عندما تمتلك مؤسسات الدولة المهارات التقنية والإدارية المطلوبة لإدارة الابتكار. بدون هذه المهارات، غالبًا ما تفشل التكنولوجيات الصاعدة في الوصول للنضج المطلوب.

2- البحث العلمي المؤسسي: لا بد أن تُؤطر القرارات الاستراتيجية والتشغيلية ضمن الخطة الاستراتيجية العامة عن طريق البحث العلمي المؤسسي. عندها يستشرف صاحب القرار أن تكون محصلة سلسلة القرارات موجهة نحو تحقيق مستهدفات استراتيجية الطاقة في المملكة. صنع القرار هو عملية مستمرة، تعتمد على تدفق مستمر للمعلومات، ولا يجب أن يُبنى على وضع أولي جامد.

3- الاستثمار الموجه والشراكات الاستراتيجية: يمكن إجراء استثمارات موجهة من خلال ربط دوافع المستثمرين بموثوقية مستقبل النفط، مثلا، بإثبات أن بتوءمة الاقتصاد الدائري للكربون واقتصاد الهيدروجين سيعززان من قيمة النفط. فيمكن للشراكات الاستراتيجية مع الشركات والمستثمرين والمنظمات غير الربحية والحكومات أن تساعد في ضمان تمويل قوي، وتزيد من ترابط الاقتصاديات المختلفة باستهلاك النفط. غالبًا ما تنتج عن تكييف الأدوات المالية الحالية والجمع بينها. من الأجدى استغلال الابتكار المالي المبتكر في جذب المستثمرين والحكومات والوسطاء والمنظمات الاجتماعية، من خلال صياغة الدوافع والموارد نحو هدف مشترك.

4- استراتيجية اعلامية وتعبوية: يستغل مناصرو الاقتصاد الأخضر الصورة الادراكية السلبية المتراكمة لإقصاء الوقود الهيدروكربوني من مزيج الطاقة العالمي. إن مصدر السلبية في وسائل الاعلام العالمية حول صناعة النفط تراكمي، وينبع من: العديد من السلوكيات غير اللائقة لصناعة النفط نفسها؛ والاستغلال الانتهازي لوسائل الاعلام من خصومها باستخدام أطر القيم والعواطف. في كثير من الاحيان، لا يكون رد فعل صناعة النفط على وسائل الاعلام حصيفا؛ فلا تأخذ الصناعة في الاعتبار الآثار المتبقية للصورة الادراكية السلبية. لا غنى عن نشر الايجابيات في وسائل الاعلام حول مصداقية صناعة النفط لمنع افتراء الاخبار والتحليلات السلبية اليومية. لا بد من بناء الاطر العلمية المطلوبة بين الجمهور، لاستخدامها في هذه الاخبار والتحليلات. لا بد من استغلال القنوات الدبلوماسية عبر المنظمات الدولية وكذلك الصحفية ومنصات التواصل الاجتماعي بحرفية لتغيير الصورة الادراكية السلبية.

5- التعليم والشباب: أصبح النشاط المتعلق بالعداء لاستخراج الوقود الهيدروكربوني بشكل متزايد مجالا لجذب الشباب، وهو ما عززه مناصرو الاقتصاد الاخضر في التعليم. قد يكون جيل الشباب الحالي، على وجه الخصوص، في طليعة أولئك الذين تكيفوا مع الاشكال الاحدث للتعبير السياسي والتعبئة والمشاركة. يشترك الشباب كفئة ديموغرافية بمجموعة متنوعة من المعتقدات والقيم ووجهات النظر العالمية والتوقعات حول المستقبل القابلة الى الثورية والتشكل السريع. فعندما يتلازم ذلك مع التعليم والاعلام المضاد لصناعة النفط، فسيؤثر التطور المعرفي الموجه على قدرة الفرد على فهم القضايا المعقدة. ومن المثير للقلق والحزن انتقال هذا الادراك السلبي للشباب السعودي، والذي سيحمل الراية في يوم من الأيام. اقترح أن تتضمن المناهج الدراسية الحقيقة كاملة حول كل من الاقتصاد الاخضر والوقود الهيدروكربوني، وأن مفهوم الاستدامة ينبع من نموذج اعمال استهلاك الموارد، وهو قابل للتغيير، كما أن الاقتصاد الاخضر ليس نموذجا تاما للاستدامة، كما يدّعي مناصروه.

خلاصة
إن تضمين الفكر الاستراتيجي للطاقة في المملكة لكل من الابتكار التكنولوجي والبحث العلمي المؤسسي والاستثمار الموجه وتوعية الاعلام وتعبئته أمر محوري لمجابهة تحديات المستقبل واقتناص الفرص. فاستراتيجية الطاقة الجديدة للمملكة تستطيع الاعتماد على هذه الادوات الاستراتيجية لبناء هيكلي قوي ومرن ومترابط وذو مناعة ضد اخطار المستقبل.  

كاتب متخصص في شؤون الطاقة والتغير المناخي [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو