الجمعة 19 ربيع الثاني 1442 - 04 ديسمبر 2020 - 13 القوس 1399

ماذا يجمع بين استدامة الطلب على النفط والاقتصاد الدائري للكربون واقتصاد الهيدروجين؟

نظمي محمد علي الخميس

شحنة الأمونيا الأخيرة المصدرة من المملكة لليابان تاريخية، وتعلن عن توجه جديد وبداية الاستثمار الجاد في تكنولوجيات استدامة الطلب على النفط. حيث تمثل الأمونيا المشتقة من النفط ذات ذرات الهيدروجين الثلاث مصدرا ثريا لاستخراج الهيدروجين منها واستخدامه كمصدر للطاقة في خلايا الوقود الهيدروجيني. تمثل هذه الشحنة منطلق للتفكير الجدي في تغيير نموذج أعمال النفط التقليدي المبني على استهلاك مشتقاته الرئيسية كالبنزين والديزل بالتحوط لمستقبله باقتصاد الهيدروجين.

إن الطلب على النفط هو المحرك الأهم لأسواقه على المديات المختلفة. تكمن مشكلة العمل على استدامة الطلب على النفط الرئيسية في أنه لا يمكن التنبؤ بمستقبل الطلب على النفط واستشرافه بدرجة تسمح بشكل قاطع من العمل وبثقة تامة من الآن لاستدامته. في الجانب الإيجابي، يمكن تحديد جملة القوى المؤثرة التي تشكل الطلب عليه، وبناء نماذج استشرافية، نستطيع من خلالها دراسة هذه المخاطر وبالتالي التحوط لمستقبله. تمنح هذه المعرفة الفاعلين القدرة على التأثير الاستراتيجي والإيجابي بمنحنى الطلب، وهو ما يعزز ثقة كل من المستهلكين والمنتجين بموثوقية الطلب على النفط واستدامة نموه.

تكمن استدامة الطلب على النفط في الحفاظ على نمو الطلب في قطاعات استهلاك مشتقاته الرئيسية، المواصلات والكيماويات، وتوسيع أسواقها أفقيا وعموديا، أو تغيير طبيعة المشتقات لملائمتها للمستقبل، وكذلك في استحداث أسواق جديدة، بحيث تصب جملة هذه الإجراءات على تعزيز قيمته الاقتصادية والجيوسياسية. يواجه الطلب على النفط تهديدا وجوديا من مجموعة من القوى المتضافرة، والتي قد تؤدي بالمحصلة إذا ما تركت دون مجابهة جادة الى تقلص نمو الطلب عليه بشكل متواصل ثم يبدأ الطلب عليه بالانكماش على مدى العقود القادمة. إن الابتكار التكنولوجي الاستراتيجي والحثيث في تطوير نموذج أعماله هو الوحيد القادر على تحقيق استدامة الطلب على النفط وتعزيز نموه. ضمن هذا الإطار، فإن الاستثمار في تكنولوجيات الاقتصاد الدائري للكربون واشتقاق الهيدروجين من النفط والاشتقاق المباشر للكيميائيات من النفط هو عتاد المملكة الأكثر واقعية للتحوط لمستقبل الطلب على النفط.

المعادلة الذهبية لنموذج الأعمال الجديد للنفط هو أن يكون اشتقاق المركبات من الذرات المُكوِنة للنفط على النحو التالي: الهيدروجين لاستهلاك الطاقة والكربون لصناعة الكيماويات. عندها يتحقق الاستهلاك الأكثر كفاءة للنفط ويوسع أسواق استهلاكه للكهرباء بأقل ضرر على البيئة وقد يعزز القيمة المضافة للنفط. إن القدرة على تحقيق هذه المعادلة هو النجاح المستهدف، فإذا ما تمت مواكبة ذلك بابتكار كيميائيات صديقة للبيئة فقد تم الوصول الى تحقيق النجاح الكامل. ولكن لو تم تحقيق نجاح جزئي ولكن يتطور بتدرج نحو المعادلة الذهبية فسيكون ذلك نجاحا، أيضا. لن يكون ذلك إلا عن طريق الابتكار التكنولوجي الحثيث لتحقيق هذه المعادلة واستيعاب الاقتصاد الدائري واقتصاد الهيدروجين في سلاسل التوريد للنفط.

القوى الرئيسية المؤثرة على مستقبل الطلب على النفط على المدى البعيد
تختلف طبيعة القوى المؤثرة على مستقبل النفط باختلاف المدى الزمني موضع الدراسة. فبينما تتأثر أسواق النفط بتفاعل القوى المؤثرة على المُدد المختلفة، يبقى المدى البعيد هو الأكثر تأثيرا على مسار أسواق النفط، لأن تحديد أسعار النفط الآني يعتمد بشكل كبير على توقع الطلب في المستقبل. من الممكن إجمال القوى الرئيسية المؤثرة على مستقبل الطلب على النفط على المدى البعيد في العناوين التالية:

1- تطور الاقتصاد العالمي: نمو الاقتصاد العالمي هو المحرك الرئيسي لأسعار وأسواق النفط. يتأثر الاقتصاد العالمي بمدى فعالية النظام الليبرالي الاقتصادي العالمي في حضانة العولمة وطبيعة تأثيرها على الاقتصاديات المحلية. فالنمو الكبير للطبقة المتوسطة العالمية في الصين والهند وشرق اسيا كان ولايزال القوة المحركة الرئيسية لنمو الطلب على النفط في العقديين الأخيريْين وكذلك المستقبل المنظور. فهل ستواصل العولمة والنظام السياسي العالمي المتطور بصعود الصين مواصلة الدفع بنمو النفط في هذه الأماكن، وهل سيدفعان بالتنمية في أماكن أخرى حول العالم. من جانب اخر، لا بد هنا من التشديد على أهمية اختلاف تركيبة النمو السكاني حول العالم. حيث يتوقع أن يبدأ النمو السكاني العالمي في الانكماش بعد العام 2050. كما أن تفاعل العولمة مع شيخوخة بعض الدول المتقدمة وشبابية بعض الدول النامية سوف يغير طبيعة نمو الاقتصاد العالمي. لا بد من فهم هذا التغير واستيعابه في الخطط المستقبلية في تطوير نموذج أعمال جديد لاستهلاك النفط.

2- القوانيين البيئية وخصوصا تشريعات التغير المناخي: تمثل التشريعات البيئية تحديا وجوديا لنموذج أعمال استهلاك مشتقات النفط. يجب أن يكون ذلك هو الدافع الرئيسي لتغيير طبيعة نموذج الأعمال وألا يدعوا للتشكيك في مستقبل النفط. فالتشريعات المتشددة للتغير المناخي ستحد من استخدام كلا من وقود البنزين والديزل في محركات الاحتراق الداخلي، ووقود الطائرات، واستخدام النفط للتدفئة بشكل متدرج للوصول للحياد الكربوني. أما التشريعات البيئية المتوقعة للمواد الكيميائية كاللدائن، فإنها ستحد من استهلاك اللدائن ذات استخدام المرة الواحدة، وكذلك من استخدام اللدائن غير القابلة للتحلل البيولوجي. يكمن الحل لمواجهة التشريعات البيئية في استيعاب الاقتصاد الدائري في تطوير نموذج أعمال جديد لاستهلاك مشتقات النفط.         

3- مدى القدرة الآنية للاعبين الرئيسيين في التأثير على أوضاع أسواق النفط: إن تصرفات اللاعبين الرئيسين الحاليين في أسواق النفط ستنعكس على توقعات أسواق النفط للمستقبل. إن إرادة اللاعبين الرئيسيين في استقرار الأسواق ستعكس ايمانهم بمستقبل النفط. فاليقين الجماعي لكل من المستهلكين والمنتجين بمستقبل النفط يحركها الثقة بموثوقية أسواق النفط. تتجسد هذه الموثوقية في التصرفات الآنية للاعبين الرئيسيين. إن تزعزع هذه الثقة سينعكس في استثمارات سلاسل التوريد العالمية للنفط. كما أن الخلل في سلاسل التوريد سوف يؤثر على اللاعبين الرئيسيين وبالتالي الدخول في حلقة مفرغة. على اللاعبين الرئيسيين الحفاظ على موثوقية أسواق النفط بالإيمان بمستقبل النفط على المدى البعيد وتقوية مناعته من الأخطار المحدقة به بتعزيز قدرته على تجديد نموذج أعماله لتجنب الدخول العميق في حلقة مفرغة تنهي عصر النفط. فمثلا مدى ارتباط مستقبل الطاقة والاقتصاد بالاستثمارات القائمة عامل مهم. إن ارتباط استثمارات سلاسل التوريد النفط بالاقتصاديات المحلية وصعوبة الانفكاك سوف يمنح الطلب على النفط مناعة مهمة ولو كانت مؤقتة، ضد الأخطار المحدقة. كما أن مدى قدرة امدادات النفط بالاستثمار في الاستكشافات النفطية والابتكار التكنولوجي المتواصل والاستثمار في موثوقية سلاسل التوريد العالمية للحفاظ على موثوقية أسواق النفط ستكون حاسمة في تعزيز اليقين الجماعي. إجمالا، لا بد من البناء على كل عامل يمكن أن يعزز ارتباط الاقتصاد العالمي باستهلاك النفط.

4- تطور الابتكار التكنولوجي لبدائل النفط وتحسن التكلفة التعادلية المستمر لها: هنالك تكنولوجيات ذات تأثير مباشر كالبطارية الكهربائية، وكذلك الهيدروجين المشتق من غير النفط. لكن لا بد من التشديد على أن فعالية هذه التكنولوجيات لن تتطور إلا أصبحت منظومة الاقتصاد الأخضر كاملة، وذلك باستحواذ الطاقة المتجددة على نصيب الأسد في قطاع الكهرباء. فإن لم يستطع الاقتصاد الأخضر أن يشكل محور تحول الطاقة والدخول في الحياد الكربوني بالتخلص من انبعاثات غازات الدفيئة وكذلك في سلاسل توريده، فلا معنى لاستخدام البطارية الكهربائية أو الهيدروجين الأخضر كبدائل في قطاع المواصلات. إن جملة الصعوبات التي تواجه التحول الأخضر كاعتمادها على معادن شديدة النضوب، لا تستطيع بمعدل انتاجها الأقصى ومعدل تدويرها وكذلك محدودية احتياطاتها المعروفة، وكذلك طبيعتها المتغيرة في توليد الكهرباء أن تحقق الحياد الكربوني. تمنح هذه العوامل صناعة النفط الضمانة للنجاح والوقت اللازمين لتجديد نموذج استهلاك النفط. 

5- مدى قدرة الابتكار التكنولوجي في تطوير نموذج أعمال جديد للنفط: إن امتلاك هذه القدرة عامل حاسم في استدامة الطلب على النفط. كما أن قدرة الابتكار التكنولوجي في تطوير نموذج الأعمال الحالي كترقية كفاءة محركات الاحتراق الداخلي، والمحركات النفاثة، وإنتاج البلاستيك القابل للتحلل البيولوجي تساعد على تعزيز الثقة وتمنح نقاطا مهمة في المنافسة مع بدائل النفط. لكن الاختبار الحقيقي يكمن في القدرة على انتاج نموذج أعمال جديد لاستهلاك النفط يفي بتشريعات التغير المناخي والتشريعات البيئية الأخرى وقادر على التوسع الافقي والعمودي وخلق أسواق جديدة لتعزيز قيمة الأصول النفطية.  

إن محصلة التأثير المحتمل يعتمد على تفاعل هذه القوى فيما بينها من جهة، وعلى قدرة الفاعلين على خلق نموذج أعمال قادر على تحقيق مستهدفات التنمية المستدامة بشكل كامل ومن غير تحيز ضد أي طرف على حساب مفهوم الاستدامة، من جهة اخرى. بالمحصلة، يواجه مستقبل النفط أخطارا محدقة، لا بد أن يرتفع هذا الجيل بدرجة المسؤولية لمستوى الأخطار عن طريق الاستثمار الجاد والاستراتيجي في الابتكار التكنولوجي لتطوير نموذج أعمال جديد للنفط يحقق مفهوم الاستدامة. إن ما سيؤثر حقا فهو الإرادة الفاعلة والقدرة على الابتكار التكنولوجي وليس مجرد الكلام. 

تكامل تكنولوجيات الاقتصاد الدائري للكربون واشتقاق الهيدروجين والاشتقاق المباشر للكيميائيات من النفط
المعادلة الذهبية لنموذج الأعمال الجديد للنفط هو أن يكون اشتقاق المركبات من الذرات المكونة للنفط على هذا النحو: الهيدروجين لاستهلاك الطاقة والكربون لصناعة الكيماويات. عندها يتحقق الاستهلاك الأكثر كفاءة للنفط ويوسع أسواق استهلاكه للكهرباء بأقل ضررا على البيئة وقد يعزز بالتالي القيمة المضافة للنفط. يتبنى نموذج الأعمال الجديد مفهوم الاقتصاد الدائري للكربون بحيث تُدّور ذرة الكربون بشكل مستمر في الاقتصاد في مُركبات كيميائية ذات قيمة اقتصادية، بينما تدخل ذرة الهيدروجين في خلية الوقود الهيدروجينية لتنتج الطاقة الكهربائية وكذلك الماء. الفكرة الرئيسية لهذه المعادلة هي تكامل حزمة من التكنولوجيات بإعادة تعريف كيمياء استخدام النفط، مثلاً باستخراج الهيدروجين وكذلك البتروكيماويات مباشرة من النفط، وكذلك تعريف ثاني أكسيد الكربون كلقيم محتمل لكثير من الصناعات ذات العائد الاقتصادي، وهذا ما يسهم بدوره في تعويض تكلفة التقاط ثاني أكسيد الكربون.

يشمل فك ارتباط استهلاك النفط بانبعاثات غازات الدفيئة وتوسيع قاعدة الطلب عليه في استهلاكه في كل من خزن الطاقة للطوارئ المكمل لمنظومة الشبكات الكهربائية وكذلك الكيميائيات الجديدة تكامل الحزمة التالية من التكنولوجيات: تكنولوجيات التقاط ثاني أكسيد الكربون والاستخدام الاقتصادي لثاني أكسيد الكربون، واستخراج الهيدروجين من النفط، والاشتقاق المباشر للبتروكيماويات من النفط. في الوقت الحالي، تتمتع هذه التكنولوجيات بمستويات مختلفة من نضج الابتكار التكنولوجي، فبعضها في مرحلة متقدمة مثل تقنيات استخراج الهيدروجين من النفط من خلال عملية نفث البخار المباشر، بينما بعض تكنولوجيات التقاط واستخدام ثاني أكسيد الكربون والاشتقاق المباشر للبتروكيماويات لاتزال في مراحلها الأولى. لا شك أن دمج كل هذه التقنيات في سلسلة قيمة واحدة بتحقيق المعادلة الذهبية يحقق المستقبل المستدام للطلب على النفط.

عندما يتم التقاط ثاني أكسيد الكربون، يمكن استخدامه كلقيم صناعي لعدد كبير من التطبيقات الصناعية والزراعية المختلفة التي تعكس مفهوم الاقتصاد الدائري. بدلاً من معالجة ثاني أكسيد الكربون كنفايات، يمكن اعتباره كمادة لقيمة لتطبيقات أخرى واشتقاق قيم مضافة. هذا الاستخدام يمكن أن يعوض تكلفة الالتقاط الباهظة. يهدف تناول ثاني أكسيد الكربون الذي يتم التقاطه إلى استخدامه في سلاسل القيمة المتعددة لإنتاج منتجات أو خدمات ذات قيمة اقتصادية مضافة. بشكل عام، تعد أسواق استخدام ثاني أكسيد الكربون صغيرة نسبيًا، ولكنها متنوعة ومتعددة بشكل كبير جدًا وتغطي العديد من القطاعات. على سبيل المثال، يمكن استخدام ثاني أكسيد الكربون لتحسين استخراج النفط من المكامن الجيولوجية وكذلك في معالجة المعادن المستخرجة ويدخل في معالجة الخرسانة. أيضًا، يمكن استخدامه في صناعة المواد الغذائية، مثل المشروبات الغازية، والتجميد السريع المبرد، والتثبيت الحيوي. إلى جانب ذلك، قد يحل كبديل للبخار في المولدات البخارية. قد يكون من الاقتصادي أيضًا تخزين الطاقة الكيميائية وتحسين بعض العمليات الكيميائية وكذلك إنتاج الهيدروجين. أيضًا، يمكن استخدامه في معالجة مياه الصرف الصحي فهو بديل اقتصادي للأحماض المعدنية، مما يقلل من درجة الحموضة ويساعد على تقليل تكلفة المعالجة. إلى جانب ذلك، يمكن استخدامه أيضًا لتحسين إنتاجية زراعة البيوت الزجاجية والزراعة العضوية.

الهيدروجين، باعتباره ناقل طاقة نظيف وغير ضار بيئيًا، لديه القدرة على توفير مصدر موثوق للطاقة لتلبية احتياجات الطاقة العالمية المتزايدة. الهيدروجين هو وقود التنقل والتخزين في المستقبل كمورد موثوق ومرن وآمن. فيمكن أن يحل الهيدروجين محل استخدام البنزين والديزل في قطاع المواصلات. أيضا، من المتوقع أن تكون هذه التقنية بديلاً اقتصاديًا وأكثر استدامة لاستخدام بطاريات الليثيوم في السيارات الكهربائية. كذلك، يمكنها اختراق أسواق تخزين الطاقة ذات الأهمية المتزايدة. للقيام بذلك، من الضروري تعزيز اقتصادات سلسلة القيمة العالمية لاستخراج الهيدروجين من النفط للوصول إلى التكافؤ في التكلفة لجعل النفط المصدر الرئيسي لإنتاجه، مقارنة بالغاز الطبيعي واطياف الهيدروجين الاخرى، الاخضر والاصفر والرصاصي. يتميز استخراج الهيدروجين من النفط بسهولة نقل النفط، مقارنة بالأمونيا والغاز الطبيعي، بينما مازال كل من الهيدروجين الاخضر والاصفر لا يعدان باقتصاديات منافسة على المدى المنظور.

الهدف من الاستثمار في الابتكار التكنولوجي في الاشتقاق المباشر للبتروكيماويات من النفط هو الاستحواذ على النمو المحتمل في البتروكيماويات وخلق أسواق جديدة لاستخدام النفط والتحوط من مستقبله، من خلال اشتقاق أكبر كمية من المركبات ذات القيمة الاقتصادية الكبيرة. الهدف من هذه التكنولوجيا هو الاشتقاق المباشر، أي ليس من خلال المصافي التقليدية، لاشتقاق أكبر كمية من البتروكيماويات المتنوعة من النفط من خلال استخدام تكنولوجيا المحفزات المتقدمة، لتكون أكثر اقتصادية من استخدام النافثا الحالية المشتقة بكمية محدودة من تكرير النفط. ازدهار الأسواق الواعدة لهذه التكنولوجيا يكمن في اختراق عميق وافقي للأسواق القائمة، وكذلك أن تكون موجهة لتكنولوجيا الطباعة ثلاثية الابعاد، ذات المستقبل الواعد. يجب أن يكون تكامل تكنولوجيات الاشتقاق المباشر للبتروكيماويات من النفط مع تقنيات استخلاص الهيدروجين من النفط بمثابة توائم أعمال متكاملة.

كيف يكون نمو الطلب على النفط مستداما؟
مازال مستقبل اقتصاد المملكة يرتبط بمستقبل النفط. إن محصلة التأثير المحتمل تعتمد على تفاعل القوى الخمس فيما بينها.  إجمالا، يواجه مستقبل النفط اخطارا محدقة، لا بد أن نرتفع بدرجة المسؤولية لمستوى الأخطار عن طريق الاستثمار الجاد والاستراتيجي في الابتكار التكنولوجي لتطوير نموذج أعمال جديد للنفط يحقق مفهوم الاستدامة. على الفاعلين البدأ باستحداث نموذج أعمال قادر على تحقيق مستهدفات التنمية المستدامة، فالوقوف موقف المتفرج قد يفضي الى انكماش نمو الطلب، بينما التدخل الفعال والاستراتيجي يحوط النفط من أخطار انكماش النمو وخطر انتزاع حصص النفط من قبل البدائل والأهم من ذلك التصدي للخطر الوجودي المتمثل في تشريعات التغير المناخي. 

هنالك بعض الأصوات تردد تارة بأن هذا الخطر هو "هلوسة إعلامية" غير جادة ومنقادة من قبل أجندات لا تضمر للنفط خيرا، وتارة ترى أن تحول الطاقة عن النموذج الحالي لاستهلاك النفط مستحيل، فيرددون ألا داعي للقلق. ويرون أن الحل يكمن فقط في التوسع في خلق أسواق جديدة للدائن، كحل لانكماش الطلب على النفط. إن أصحاب هذه الرؤية، وإن صحت نياتهم، فلا بد ألا يصرفوا الجاديين في استحداث نموذج لاستهلاك جديد للنفط وتحقيق استدامة الطلب على النفط من التحوط للأخطار المحدقة. لا بد من التحلي بروح المسؤولية للأجيال القادمة والحفاظ على القيمة المضافة للنفط، فهذا حقهم على الاجيال الحالية. إن قصر توجيه الابتكار التكنولوجي في الكيميائيات وتحسين كفاءة محركات الاحتراق الداخلي فقط، لن يعوض النمو المفتقد في مجال الطاقة وسوف يفقد النفط القيمة الجيوسياسية المرتبطة باستهلاك الطاقة منه، فهو خيار لا يبدوا حصيفا. فمثلا، لا يمكننا قصر مستقبل النفط على تعزيز الطلب على الكيميائيات والتعويل على ذلك فحصة اللدائن الحالي من برميل النفط لا تتجاوز نسبة 13% كما أن نموه الحالي (4%) وأن استمر لمدة 30 سنة متواصلة، وهو أمر غير محتمل لمنافسة بعض المكونات المصاحبة للغاز الصخري كلقيم منافس، لن يعوض إلا نسبة 12% من استهلاك حصة الطاقة في برميل النفط، إذا ما أُفترض بتفاؤل نمو الطلب على النفط عند معدل 0.9%، ونسبة 30% إذا ما أُفترض أن نمو النفط سيتوقف من الآن. الأمل يكمن في اختراق عميق وأُفقي لكيميائيات النفط للأسواق القائمة، وكذلك أن يكون الاشتقاق المباشر للكيميائيات موجها لتكنولوجيا الطباعة ثلاثية الابعاد.

لا بد من تطبيق المعادلة الذهبية لنموذج الأعمال الجديد للنفط فهي الضمانة الواقعية لمستقبل النفط. إن عولمة مبادرة المملكة للاقتصاد الدائري للكربون وتوجيهها لجهود الابتكار التقني في تكامل التكنولوجيات الأربع: التقاط ثاني أكسيد الكربون، وإقامة صناعات مبنية على ثاني أكسيد الكربون كلقيم، والاشتقاق المباشر للهيدروجين أو الأمونيا من النفط، والاشتقاق المباشر للكيميائيات من النفط، هو الضمانة الأكثر منطقية للتحوط من أخطار وصول الطلب على النفط لذروته. إن عولمة الابتكار التكنولوجي في التكنولوجيات الأربع هو الخيار الأكثر الحاحا والأكثر كفاءة في الوقت الحاضر لتنفيذ المعادلة الذهبية بأسرع وقت، فعملية الابتكار التكنولوجي تحتاج إلى فترة طويلة من الزمن حتى تصل الى المرحلة التي يصبح تطبيق التكنولوجيات اقتصاديا. لحسن الحظ، فإن تحول الطاقة سيكون تدريجيا وهو ما يمنح الفاعلين الوقت الكافي لتأكيد المضي نحو تنفيذ المعادلة الذهبية لاستدامة الطلب على النفط، وكذلك لمراجعات الخيارات الاستراتيجية التي قد ترشح في المستقبل. ولأن تحول الطاقة عالمي الطابع، فإنه من الأجدى عولمة عملية الابتكار التكنولوجي لتحسين التكلفة التعادلية لسلسلة القيمة للنفط وكذلك تطوير العلاقات والتواصل العلمي مع مجتمعات الأعمال. إن إنشاء شبكة عالمية للابتكار التكنولوجي لتحقيق المعادلة الذهبية سوف يساعد على تضافر الجهود ويساعد على تسريع وتعميق وتوسيع نطاق أسواق النفط، ويقلل من تشتت عملية الابتكار التقني.  للابتكار المعولم منافع عدَّة تتضمَّن: المشاركة المعرفية، تقليل مخاطر الاستثمار في البحث العلمي، وكذلك تساعد على توسيع نطاق البحث العلمي وتسريعه. ولذلك، فإن المشاركة في موارد البحث العلمي تساعد على تقليل تكلفة عملية الابتكار وتقليل احتمالات الفشل فيها. 
 

كاتب متخصص في شؤون الطاقة والتغير المناخي [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو