الأحد 14 ربيع الثاني 1442 - 29 نوفمبر 2020 - 08 القوس 1399

التوازن الانتاجي في القطاع الخاص .. أين نمذجة الاعمال؟

عبد الرحمن احمد الجبيري

لطالما ارتبط الاقتصاد بإدارة الاعمال والعملية الإنتاجية ارتباطاً وثيقاً فممارسة الاعمال وادارتها تتطلب معرفة اقتصادية بأدوات وأساليب الاقتصاد التي تُمكّن الأنشطة من توظيف مقدراتها وعناصرها التوظيف الأمثل ذلك انه من المؤكد ان اي عملية انتاجية هدفها الأول والأساسي هو الربح وتحقيق هذا الربح يختلف باختلاف سلوك المُنتج فالكثير منهم يرغب في الربح المستدام بيد أن واقع الانتاج من منظور العائد التقليدي فقط قد يُشكِّل عبئاً مستقبلياً على المنتجين ويحدث ذلك مثلاً عندما تفوق المنتجات قوة الطلب فيصبح الفائض الانتاجي مشكلة تتجاوز الحلول المنطقية كالبيع باقل من سعر التكلفة واحيانا تصل للتوزيع المجاني حتى لا تمثل فاتورة التخزين تكاليف اخرى أو أن المُنتج لا يحظى بالطلب المأمول نتيجة لعدة عوامل كالجودة او ارتفاع سعره وخلاف ذلك فتتفاقم إشكالية التوازن الإنتاجي وبطبيعة الحال نضيف الى ما سبق رغبات المستهلكين وقوتهم الشرائية ومحدداتها الثابتة والمتغيرة.

إذاً وبعد هذه المقدمة هل نحن امام اهمية لتطوير اعمالنا ومنتجاتنا بشكل يحقق التوازن الانتاجي بين التكاليف الإنتاجية والعائد مقارنة بمخرجات تمتاز بالجودة الانتاجية؟ وهل قطاعنا الخاص يعاني من مشكلة نمذجة الاعمال وفهم سلوكها التطويري لتحقيق الجودة المطلوبة ثم اي جودة تتسع لمفاهيم تتجاوز المسمى فقط (الجودة) الى واقعية ابعد على نحوٍ اوسع من العمل المنظم والدقيق!

التوازن الإنتاجي هو حالة تساوي الطاقة الإنتاجية أو المخرجات لكل مرحلة من المراحل الإنتاجية المتتالية على الخط الإنتاجي فيكون التوازن كاملاً عندما تتفق المراحل الإنتاجية مع الوقت والعائد نفسه بحيث لا يكون هناك اي وقت ضائع في تلك المهام وهذه المهام تقودنا الى النمذجة المطلوبة للأداء سواء كانت توصيفا دقيقا لأداء الوظائف البشرية او بقية عناصر الإنتاج.

انشاء مصنع او مشروع ما لا يعني فقط رأس المال النقدي والآلات وتشغيلها بل هي مجموعة وظائف تكاملية تجمع بين المعرفة العلمية ومرونة التطوير المؤسسي لكافة مكونات المشروع فنحصل في نهاية المطاف على منتج بجودة عالية اضافة الى أهمية تشرب هذه الجودة لبقية المكونات ومنها التقنية والموارد البشرية والاجراءات الفنية والادارية لتكون منظومة العمل هنا مترابطة ومتشابكة في فهم الاداء بالشكل المخطط له.

نمذجة عمليات الاعمال Business Process Modeling (BPM) هي مجموعة من الأنشطة أو المهام التوصيفية المترابطة داخل المنشأة والتي تُحقق بعد نجاح تنفيذها خدمة أو سلعة ترضي العميل وتكون وفق أنماط من إجرائيات الأعمال الإدارية وأسلوب العمليات، وما يرتبط بها من إجراءات آخرى داعمة كالتركيز على تمثيل العمليات وتدفق الأدوار والبيانات والتنظيم والوقت ، فهي مفهوم تخصصي حديث يتداخل فيه الاقتصاد والادارة والسلوك الانتاجي والتطوير والجودة لتكون العملية الانتاجية سلسة، قيّمة، مترابطة، مرنة تحقق رضا المستهلكين وتستحث ردودهم التشاركية ليكون الانتاج جزء لا يتجزأ من تغذية راجعة فيتحقق الربح المستدام والرضا الاستهلاكي وعندما تكسب عميل لابد ان تحافظ عليه.

لا تتوفر معلومات دقيقة عن مدى تطبيق شركات ومؤسسات القطاع الخاص للنمذجة لكن من المؤكد انها تُطبق في معظم الشركات الكبرى والقطاع البنكي بيد ان التطبيق لكل منشأة بات من الضرورة بمكان خاصة واننا نشهد اليوم العديد من المتغيرات التي تتسارع وتتطور يوما بعد يوم بل ان تداعيات كورونا ستشكل مستقبلا مختلفا في الإدارة والإنتاج وبقية الأنشطة الأخرى صحيح ان هناك العديد من التحديات والأسباب التراكمية والطارئة التي تعود الى الخبرة والثقافة التخطيطية واتجاهات الفكر الإنتاجي المتباينة بيد ان ما وفره العلم الحديث بشقيه النظري والتقني سيمكن تلك المؤسسات من إعادة تشكيل خطوطها الإنتاجية بتوازن يحقق العوائد المطلوبة مع العمل المستمر على تطوير الكفاءة التشغيلية وصقل المواد البشرية بالدورات التدريبية المتخصصة.

تعود فكرة "النمذجة" الى عام 1960 على يد جوهانسون الذي حاول التعرف على سلوك عدد من المنتجين في كل قطاع وقد عرفها بانها : مجموعة مرتبطة من الأنشطة التي تأخذ مدخلات وتقوم بتحويله لإنشاء مخرجات بصورة مثالية ، فالتحويل الذي يتم على العملية يجب ان يضيف قيمة الى المدخل وينشئ مخرج يكون اكثر فائدة وفعالية للمستقبل ، لقد تطورت النماذج خلال السنوات الماضية وأصبح هناك العديد من النماذج التي تخدم أهداف مختلفة مثل نموذج الاقتصاد الكلي، والتوازن العام ومخطط تدفق العمل Workflow Diagram  الذي يقوم بتنفيذه محللو الأعمال Business analysts والمدراء لتحسين كفاءة efficiency وجودة quality الإجراءات في حين يرى الباحثون الاقتصاديون بأن آدم سميث عام 1776 قد استعرض كوصف اولي لهذه العمليات في مثاله الشهير عن انتاج المسامير حيث ركز على زيادة الإنتاجية بتقسيم العمل الى مجموعات عمل لها مهام محددة كتصميم انتاجي عند مستويات مختلفة.

مجمل القول : نتطلع الى إعادة تقييم شامل للأداء في مؤسسات القطاع الخاص وتقليص الهدر الانتاجي من خلال تطبيق احدث الممارسات التي تتعلق بالنمذجة والبناء المعرفي الجديد  لم يعد في هذا الزمن حاجة الى تسيير الاعمال بدون منهجية علمية وعملية فالعمل المحترف يقودنا الى تحقيق عوائد اعلى وتوسع افقي مستحب في الأنشطة لتتشكل في النهاية منظومة عمل بجودة اعلى تعزز من أداة الطلب والحراك المتواصل وتحقيق عوائد مجزية.

كاتب ومحلل اقتصادي [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو