الأحد 14 ربيع الثاني 1442 - 29 نوفمبر 2020 - 08 القوس 1399

نظرية Rent-seeking الاقتصادية والتشريعات القانونية لمكافحة الفساد

د. نجلاء الحقيل

في مقالة سابقة لي نُشرت بعنوان "استخدام النظريات الاقتصادية للتشريع القانوني"، الكثير من القراء تسائلوا حول التطبيق العملي لها. من تطبيقات هذا الأسلوب الحديث في التشريع، هو استخدام نظرية الاقتصادية يطلق عليها نظرية السعي وراء الايجار او نظرية Rent-seeking والتي لا يجهل معناها الكثير من الاقتصاديين. لكن قد يتبادر الى الاذهان سؤال عن ماهي العلاقة بين نظرية متعلقة بالأرقام و بين تشريعات مكتوبة.

قبل البدء بالتعمق في أسلوب استخدام هذه النظرية في التشريع، لابد من ازالة الغموض عن مصطلح السعي وراء الايجار. تعني هذه النظرية من ناحية اقتصادية هو حالة تحدث عندما تسعى المؤسسة او العاملين فيها الى الكسب المادي او تكوين ثروة من دخل المؤسسة من دون استخدام هذا الكسب او الثروة الإنتاجية. بأسلوب اخر، عندما يكون للمؤسسة الحكومية او الخاصة إيراد مالي من قبل الحكومة للمساهمة في بناء او دعم او تطوير مشاريع تخدم المجتمع، و بدلا من استخدام هذا الايراد المالي برمته للهدف الأساسي منه، يتم تخزين هذه الاموال في خزينة افراد معينين مما يساهم في تكدس الثروات بايدي أشخاص معدودين وعدم تكون اي ثروات جديدة مما يضر الاقتصاد الوطني. بمعنى ان زيادة ارصدة هؤلاء الافراد ليس لانهم أشخاص منتجين واصحاب اعمال ذات انتاجية واثر اقتصادي على الدولة، وإنما هي أموال تكونت نتيجة استقطاعها من ميزانيات مخصصة لمشاريع ذات انتاجية مما يؤثر على جودتها ومعدل انتاجيتها. والمثال الشائع لها هو مثال بروفيسور الاقتصاد Robert Shiller حيث شبه هذه النظرية الإقطاعي الذي وضع يده على جزء من النهر وقام بوضع سلسلة لا تسمح للمبحرين فيه من قطعه الابعد دفع رسوم يحددها الاقطاعي من دون ان يساهم هذا الإقطاعي بتطوير النهر وتحسينه، وبالتالي هو قام بتكوين ثروة من شئ مجاني من دون ينفق جزء من هذه الثروة للتطوير.

إذاً، السعي وراء الدخل هو موضوع اقتصادي، لكنه يحدث باستخدام الانظمة و القوانين، كيف يكون ذلك؟ اجابة هذا السؤال بمثابة السهل الممتنع، بمعنى بإمكاننا فهم المعنى و الاسلوب، ولكن من الصعب تسليط الضوء عليه. أول من استخدم هذه النظرية بروفيسور القانون و الاقتصاد Turllock. حيث انه حلل الدستور الأمريكي والقوانين المتعلقة بالتصويت والانتخابات و وجد ان هناك دوافع تجعل المواطنين و السياسيين يتحايلون قانونيا لاستغلال العائدات الحكومية عبر اعادة توزيع الدخل لصالحهم وذلك لرفع ارقام أرصدتهم. حيث ان كل قرار سياسي يترتب عليه اعادة توزيع الدخل باي شكل كان، وبالتالي يدفع رجال الأعمال على سبيل المثال رشوة لعدد من أعضاء الكونغرس من أجل التصويت لتمرير قانون يخدم مصلحة رجل الاعمال هذا، او تخدم مصلحة سياسيين آخرين، وهكذا. اذا السعي وراء الدخل يؤدي الى تلاعب الموظفين والعاملين في المؤسسات العامة او حتى المؤسسات الخاصة بالانظمة و القوانين، استغلال الثغرات النظامية، او حتى تشريع أنظمة جديدة تخدم مصالح شخصية. المثال الشهير للتلاعب بالانظمة والقوانين لتكديس الثروة بيد اشخاص معدودين من دون المساهمة بالإنتاج، مثل قضية إفلاس شركات عظمى مثل إنرون، و ورلد كوم، المسئولين في هاتين الشركتين، استهدفوا مصالحهم الشخصية عن طريق وضع أرقام غير حقيقية في ميزانيتهما بالمبالغة في تقييم ممتلكات الشركة وإيراداتها وإعطائها قيمة أكبر من قيمتها الحقيقية، وتخفيض معدل الدين بأقل من الدين الحقيقي. 

وكل هذا التلاعب حدث بسبب أن رؤساء الشركة من خلال سلطتهم الإدارية  ضغطوا على المحاسبين لعدم التدقيق في الحسابات وذلك لتمكين هؤلاء الرؤساء من التلاعب بالارقام والاختلاس بعيدا عن مرأى العين والقانون. وكذلك نفوذ رؤساء هذه الشركات الذي مكنهم من الضغط على لجنة الاوراق المالية والبورصة الامريكية SEC، عندما حاول رئيس اللجنة ما بين عام ١٩٩٧ الى ٢٠٠٠ الى تحسين الانظمة المحاسبية على الشركات من خلال وضع تشريعات وقوانين تسد الثغرات النظامية، وترتب على هذا الضغط عرقلة سن تشريعات تمنع التلاعب بأرقام الميزانيات و بالأمور المحاسبية للشركات. اما بالنسبة للقطاع العام، فنظرية السعي وراء الدخل تحدث كثيرا خاصة في مجال اقامة المشاريع والعقود الحكومية بشكل عام، حيث ترصد ميزانيات ضخمة لإقامة مشاريع لخدمة المجتمع والاقتصاد، ولكن المسئولين عنها يقومون بوضع مبالغ اعلى من قيمة المشروع الحقيقية لخدمة مصالح شخصية. وهذا النوع من الاستخدام للموارد المالية للمؤسسات ينتج الفساد بسبب التلاعب بالانظمة والقوانين. بمعنى أننا عند مراجعة ميزانية ما، لا نرى فيها عيب، ولكن عند التدقيق في الأعمال ذاتها نجد أن هناك تلاعبا بالارقام مما يؤدي الى استنزاف مصادر الدخل لمصلحة أفراد معينين.

هذه بإختصار نظرية السعي وراء الدخل وعلاقتها بالتشريع القانوني، فالأصل هنا أن المؤسسة والعاملين فيها يجب عليهم استخدام الطاقة التشغيلية للمؤسسة بشكل كامل سواء كانت الطاقة مالية او بشرية لإنتاجية أفضل وعلى مستوى عالي من الدقة و الاتقان وتساهم بشكل كبير اجتماعياً لو كان المشروع حكومياً يستهدف بناء مشروع خدمي، واقتصادياً لو كان المشروع اقتصادياً لخدمة مؤسسة خاصة أو عامة. فإذا حدث العكس، حيث تم استغلال هذه الموارد لخدمة مصلحة شخصية بحتة، فهنا تحدث مشكلة السعي وراء الايجار وسلسلة من التلاعبات النظامية و القانونية.
 

استاذ مساعد في كلية حقوق ومختصة بالقانون الإداري وقوانين حوكمة القطاع العام ومكافحة الفساد [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو