الجمعة 01 صفر 1442 - 18 سبتمبر 2020 - 27 السنبلة 1399

صفقات الاندماج بين النظامين السعودي والأمريكي

وجدان سعد الحيد

مع ازدهار صفقات الاندماج في السوق السعودي والتي كان آخرها الصفقة المحتملة بين البنك الأهلي وبنك سامبا، تأتي أهمية توضيح هذه النوع من الصفقات المهمة من الناحية القانونية ولا سيما أن هناك خلط في بعض الأحيان بين الاندماج والاستحواذ. لذلك ستركز هذه المقالة على صفقات الاندماج وفقاً للنظام السعودي مع الإشارة إلى القانون الأمريكي. 

بداية من المهم معرفة أن المقصود بعملية الاندماج كما وضحتها المادة 191 من نظام الشركات الحالي الصادر عام 2015م ، بأنها "ضم شركة أو أكثر إلى شركة أخرى قائمة أو بمزج شركتين أو أكثر لتأسيس شركة جديدة." بحيث يجب أن يقدم ابتداءً عرض مبادلة الأوراق المالية لشراء كل أسهم الشركة المندمجة، وكذلك عقد الاندماج الذي سيوضح شروطه، ويبين طريقة تقويم ذمة الشركة المندمجة وعدد الحصص أو الأسهم التي تخصها في رأس مال الشركة الدامجة أو الشركة الناشئة من الاندماج. فمن نص المادة السابقة يتضح لنا بأن طرق الاندماج قد تكون إما بطريق الضم أو المزج وهو ما يعرف قانونياً بشكل أدق بـ consolidation ففي الحالة الأخيرة سنكون أمام كيان جديد باسم وهوية شخص اعتباري قانوني جديد نتجت بسبب هذا الاندماج، في حين أن طريق الضم سنرى بأنه يختفي كيان الشخصية المندمجة مع بقاء الشركة الدامجة محافظة على كيانها القانوني واسمها وهويتها.

وعند النظر إلى نوع صفقات الاندماج وأكثرها شهرة، فهي إما اندماج أفقي بمعنى أن تندمج شركتان تمارسان ذات النشاط مثل القطاع البنكي كما حصل في اندماج البنك الأول وساب، أو اندماج رأسي بحيث يكون الاندماج بين شركات تمارس نشاطاً مختلفاً ولكن بوجه أو بآخر يخدم توجه ورؤية أطراف الصفقة مثل اندماج الشركتين eBay and PayPal. في حين أن نوع آخر من الاندماجات يعرف بـ Conglomerate أو تكتل الشركات بحيث تندمج شركتين مختلفتين تماماً في نوع النشاط، ولا يوجد أي رابط بينهم مثل ما حدث في اندماج Walt Disney Company and the American Broadcasting Company.

وبغض النظر عن نوع أو طريقة الاندماج فإن القانون السعودي اهتم بمصلحة الدائنين، حيث أعطى الحق لدائني الشركة المندمجة الاعتراض على قرار الاندماج أو "صفقة الاندماج المحتملة" خلال 30 يوم من تاريخ نشره، وإن حصل هذا الاعتراض فستكون الشركة أمام خيارين إما الوفاء بالدين له إن كان حالاً، أو أن تقدم له ضمانات كافية للوفاء به إن كان موعد استحقاقه آجل، وهذا ما قررته المادة 193 من نظام الشركات الحالي. لكن لنفترض أن صفقة ما تمت الموافقة عليها وأصبحت نهائية وليست محتملة فإنها سترتب الأثر القانوني المذكور في المادة 192-من ذات النظام- وهو انتقال جميع حقوق والتزامات الشركة المندمجة إلى الشركة الدامجة أو الشركة الجديدة التي نشأت عن الاندماج، بحيث تعد الشركة الدامجة أو الجديدة التي نشأت بسبب الاندماج خلفاً للشركة المندمجة في حدود ما آل إليها من أصول أو لحقها من التزامات- مالم يتفق على خلافه في اتفاقية الاندماج -. وبمجرد أن تصبح الصفقة نهائية وملزمة يتم منح مساهمي الشركة المندمجة أسهم في الشركة الدامجة يطلق عليها بأسهم العوض بناء على عملية مبادلة عرض الأوراق المالية؛ مما ينتج عنه زيادة رأس مال الشركة الدامجة أو الناشئة عن الاندماج. 

تجدر الإشارة إلى أن صفقات الاندماج تتقاطع مع موضوع مهم وركيزة أساسية في إتمام صفقات الاندماج وهي (الاحتكار والمنافسة). لذا يجب قبل المضي قدماً في أي صفقة اندماج أخذ عدد من الموافقات من الجهات ذات العلاقة وعلى رأسهم هيئة المنافسة. السبب الرئيسي في ذلك هو المحافظة على المنافسة في السوق السعودي بحيث لا تتجاوز صفقة الاندماج والكيان الناتج عنه نسبة التركز الاقتصادي في الحصة السوقية وهي ٤٠٪ من المجموع الكلي لسلعة معينة، وذلك وفقاً للمادة الثانية من اللائحة التنفيذية لنظام المنافسة. علماً أن معالجة النظام الأمريكي للمنافسة مختلفة إذ أن النظام الأمريكي لم يحدد نسبة معينة، وذلك لأن الخطورة الأكبر في موضوع المنافسة تحديداً هي الناتجة عن صفقات الاندماج الأفقي أكثر من بقية الأنواع المذكورة سابقاً؛ لأن هذا سيضعف المنافسة في قطاع معين مما يجعل الشركة الناتجة عن الصفقة تشكل تركز اقتصادي يؤثر في المنافسة. 

وفي هذا السياق، وعند النظر للقانون الأمريكي نجد أن القانون الذي يحدد نفاذ الصفقة من عدمها، والذي ترتبت عليه عدد من السوابق القضائية المهمة هو قانون كلايتنون Clayton Act وهو قانون مكافحة الاحتكار، وتحديداً القسم السابعSection 7 والذي ينظم ويحكم صفقات الاندماج والاستحواذ. يؤكد هذا القانون على مبدأ أساسي ومهم وهو "عدم نفاذ أي صفقة لشراء كل أو بعض أسهم أو أصول شركة أخرى، يترتب عنها إضعاف المنافسة بشكل كبير وواضح، وبالتالي خلق احتكار لسلعة ما أو منتج أو خدمة." ومن أهم وأشهر السوابق القضائية والتي جاءت تطبيقاً لهذا القانون تجاه صفقات الاندماج كانت قضية Brown Shoe Co. v. United States وهي صفقة اندماج بين شركتي أحذية، حيث جاء الحكم فيها مسبباً بأن الموافقة على صفقة الاندماج بين الشركتين هو بمثابة إغلاق للمنافسة التامة، مما يؤدي إلى عدم وجود فرصة عادلة للمنافسين في هذا القطاع. حيث حددت هذه القضية والتي كانت سابقة مهمة في صفقات الاندماج عدد من العوامل الاقتصادية الحاسمة أهمها طبيعة وغرض الصفقة، والتركز الاقتصادي والصناعي في أي صفقة حتى تكون متوافقة مع القانون. 

لذا لا يخفى على الجميع أهمية صفقات الاندماج في أي سوق ولكن من المهم فهم أسباب لجوء الشركات لمثل هذا النوع من الصفقات بغض النظر عن نوع وطريقة الاندماج. هذه الأسباب تتنوع بحسب ما إذا كانت صفتها شركة "دامجة" أم "مندمجة" وقد يطول الحديث في هذا الموضوع ولكن إجمالاً يمكن القول بأن أهمها هو: زيادة حجم رأس المال، والتوسع والانتشار، وتقليل المصاريف التشغيلية، وتحسين مستوى الخدمات المقدمة في قطاع معين، وأخيراً قد تكون وسيلة إنقاذ لبعض الشركات المندمجة التي تعاني من مشاكل مالية وديون متراكمة.


 بالإضافة إلى ذلك، من المهم فهم التحديات المحتملة أمام صفقات الاندماج ومنها اختلاف ثقافة الشركتين مما يترتب عنه صدامات ونزاعات بين الرؤساء والمسؤولين في كلا الطرفين؛ لذلك يجب أن يكون هناك خطة استراتيجية واضحة لتسيير أمور الشركة، وخطة أعمال موحدة للموظفين والأقسام بإعادة تشكليها وتقسيمها في الكيان الجديد، والرؤية الواضحة تجاه التعديلات المالية والقانونية التي ستواجه الكيان، ومعرفة المخاطر المحتملة وهذا يستلزم وجود فريق متكامل من مستشارين قانونيين، ماليين، إدارة مخاطر، التزام وحوكمة لدراسة ومعرفة أبعاد وتأثيرات الصفقة قبل، وأثناء، وبعد نفاذ الصفقة. 

في المقال القادم بإذن الله سيكون حديثنا عن صفقات الاستحواذ وتأثيرها على الشركات وفقاً للنظام السعودي.
 
 

أكاديمية متخصصة بقانون الشركات والبنوك والأوراق المالية [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو