السبت 03 جمادى الثانية 1442 - 16 يناير 2021 - 26 الجدي 1399

نزاهة واستراتيجية الساندويش لنجاح حملات محاربة الفساد

د. نجلاء الحقيل

في اليومين الماضيين أعلنت هيئة الرقابة و مكافحة الفساد عن مباشرة العمل على 105 قضية جنائية، وقبلها خلال شهر شوال الماضي فتحت الهيئة التحقيق في 127 قضية فساد تورط فيها موظفون بالقطاع الحكومي و الخاص. وهنا نرى الفرق الواضح قبل صدور الامر الملكي بضم الرقابة والتحقيق والمباحث الادارية الى هيئة مكافحة الفساد وبعد صدوره. حيث كان دور هيئة مكافحة الفساد يقتصر على الدور التثقيفي للمجتمع خصوصا في ظل عدم تعاون الجهات الحكومية معها نظرا لعدم وجود سلطة التحقيق والملاحقة الجنائية بيدها. وهذا يفسر ما تم تناوله في مقالة سابقة لنا التي كانت بعنوان " لماذا لا تنجح استراتيجيات مكافحة الفساد؟" حيث القينا الضوء على ان كثير من الدول نسخت استراتيجية هونق كونق على ان يحققون النجاح التي حققته استراتيجية هونق كونق في تقليل معدلات الفساد في دولهم ولكن لم يحققوا النجاح المنشود. السبب الرئيسي هو عدم مراعاة البيئة المحيطة ونقاط الضعف والقوة في مؤسسات الدولة والتي تساهم في إنجاح الاستراتيجية او افشالها، وعدم اعطاء هيئات مكافحة الفساد ادوات قانونية تساعدها على أداء أعمالها بالشكل المطلوب.  

 ونتيجة لوجود الارادة السياسية الجادة في المملكة لمحاربة أوجه الفساد في مؤسساتها ومجتمعها مما يعزز اقتصاد الدولة من جهة و يرفع من جودة البرامج التنموية ومنتجات مؤسسات القطاع العام و الخاص من جهة اخرى لتحقيق أهداف رؤية 2030، جاء الأمر الملكي لتطبيق ما تسمى لاستراتيجية Sandwich Situation’ والتي يطلق عليها استراتيجية الساندويش. يقصد بهذا المصطلح ان هيئات مكافحة الفساد لابد أن تستهدف الفساد بشكل أساسي من الاعلى الى الأسفل top-down و من الاسفل الى الاعلى down-top، حيث أن هذه الاستراتيجية هي المفتاح للنجاح العملي لحملات مكافحة الفساد. فعندما يعتمد التركيز على مكافحة الفساد من الاعلى فهذا يعني ان امتثال القطاع العام والخاص لقوانين الهيئة ملزم و واجب عليها لان النظام منحها سلطة البحث والتحقيق وفي احيان اخرى إيقاع العقاب في حال كان للهيئة محاكم متخصصة. اما التركيز على مكافحة الفساد من الاسفل الى الاعلى فهي تعتمد على القوة الناعمة التي تستخدم لنشر ثقافة النزاهة بين أفراد المجتمع ككل.

وهذا ما اعتمدت عليه عدد من استراتيجيات مكافحة الفساد الناجحة حول العالم ومن ضمنها إستراتيجية هونق كونق لمكافحة الفساد. فقد اتبعت هيئة مكافحة الفساد ICAC في استراتيجيتها منهجية الإذعان و النزاهة Compliance and Integrity Approach . ويختص مصطلح الإذعان بمكافحة الفساد من الاعلى الى الاسفل بشكل هرمي يبدأ الموظفين والعاملين في القطاع العام والخاص، في حين أن مصطلح النزاهة يعني بمكافحة الفساد من أسفل الهرم والمتمثل في المجتمع ككل الى اعلاه. اعتمدت هونغ كونغ في استراتيجية الإذعان والنزاهة على ثلاثة اركان اساسية (TPA- Three Patronage Approach ) و تشمل هذه الأركان على ( الردع  والوقاية والتعليم). طبقت هونغ كونغ هذه الأركان الثلاثة من خلال استحداث ثلاث اقسام اساسية في هيئة مكافحة الفساد. القسم الأول هو قسم التشغيل والردع والذي يتولى مهمة التحقيق في قضايا الفساد. القسم الثاني يسمى بقسم الوقاية والذي يتولى مهمة متابعة القوانين والإجراءات التي تساعد في سد الثغرات القانونية و الإدارية التي تساهم في ارتفاع معدل الفساد. أما القسم الثالث وهو قسم العلاقات العامة والذي يعنى بالتعليم ورفع ثقافة النزاهة في المجتمع ومتابعة عملية رفع الوعي ومحاربة الفساد من خلال كل طبقات المجتمع، ويمكن تلخيص رحلة مكافحة الفساد من خلال النقاط التالية:

- لان الفساد هو المسبب الأساسي للضعف المؤسسي والخسارة في الموارد الاقتصادية و البشرية و الانتاجية مما يترتب عليه نتائج سلبية فادحة ضد جودة منتجات الادارة الحكومية. فالهدف هو الحصول على مؤسسات حكومية خالية من الفساد بدلا من التركيز على رفع إنتاجية المؤسسة من دون إلقاء الضوء على تقليل معدل الفساد، لان تغليب كفة رفع الإنتاجية دون التركيز على كفة تقليل الفساد قد يساهم برفع معدل الفساد في المؤسسة عن معدلها المعتاد. لان الانتاجية قد تزداد بسبب ازدياد الفساد، على سبيل المثال زيادة عدد المشاريع لرفع جودة التعليم يعني رصد مبالغ اعلى وتوظيف اشخاص اكثر وبالتالي على الرغم من ازدياد معدل الانتاجية ولكن في المقابل يزداد لدينا قضايا الرشوة والاختلاس واستغلال النفوذ والوظيفة ...الخ مما يؤثر على الخزينة العامة للدولة وعلى اقتصادها ككل.

- عند الإصلاح القانوني لأنظمة هونق كونق، ادرك المشرعين ان تعدد أشكال الفساد يجعل من الصعب التركيز فقط على ابتداع أنظمة جديدة من دون دراسة القضايا الدارجة آنذاك ودراسة التسبيب الأخلاقي الذي يتبناه مرتكبي جرائم الفساد الحكومي لتبرير انخراطهم في تلك الأعمال. مما يعني ان استنساخ قوانين وضعتها دول اخرى ونجحت في دولها لا يعني بالضرورة نجاحها في الدولة التي تقيم حملة مكافحة الفساد، لأنه في النهاية ثقافة المجتمعات تختلف عن بعضها البعض، وبالتالي القوانين لابد ان تستهدف تغيير الثقافة التي تسمم افراد مجتمعها. وكما هو معروف لدى المختصين في القانون، فان اكتشاف الثغرات القانونية لا يكون إلا من خلال العمل به وتطبيقه. كذلك يتم تشريع القوانين الجديدة و سد الثغرات القانونية عند اكتشاف حالات فساد تختص مجتمع وثقافه بعينها وذلك من خلال تحقيقات هيئة مكافحة الفساد ، التقارير المالية، والشكاوي المقدمة من العامة، والصحافة، والمستشارين القانونين المهتمين بقضايا فساد لم ينظمها القانون او يساهم في زيادتها. في هذه الحالة تزيد الحماية القانونية ضد جرائم الفساد المالي و الاداري من خلال التعاون بين قسم ردع الفساد ومكتب النزاهة و رجال الضبط لاكتشاف هذه الثغرات ونقاط الضعف القانونية في الأنظمة والإجراءات واقتراح التعديلات والاصلاحات اللازمة لذلك.

- اخيرا وليس اخرا، الطريقة التي يدار بها النظام الإداري في الهيئة تجعل تطبيق الأنظمة والتحقيقات والعقوبات فعال نتيجة للاعتماد الكلي على تطبيق النظام على الموظفين العاملين في النظام الإداري. فهناك وسائل مختلفة لتقييم ما إذا الموظفين فعلا قاموا بمهام عملهم على الوجه المطلوب أم لا.

 و هذا ما تسير عليه المملكة في حملتها الجادة ضد مكافحة الفساد. ومن امثلة ذلك شمول معنى الموظف العام في جريمتي الرشوة و الاختلاس على موظفي الدولة وعلى موظفي القطاع الخاص "الموظف العام الحكمي"، ونأمل في الايام القادمة ان يشمل ذلك جريمة التزوير للمحررات الرسمية ليشمل الموظف العام الحقيقي و الحكمي. كذلك كما أسلفنا في بداية المقال، إعطاء هيئة الرقابة ومكافحة الفساد بصلاحيات اشمل واكثر بما يخص ملاحقة مرتكبي جرائم الفساد بحيث يكون لها موطئ قدم فعال في حملة مكافحة الفساد.

استاذ مساعد في كلية حقوق ومختصة بالقانون الإداري وقوانين حوكمة القطاع العام ومكافحة الفساد [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو