الخميس 11 ربيع الثاني 1442 - 26 نوفمبر 2020 - 05 القوس 1399

جائحة كورونا: الاقتصاد يدفع الثمن

منتصر علم الدين

بعيدا عن الخسائر البشرية الناتجة عن انتشار فيروس كوفيد- 19 ( كورونا ) المتمثلة في ملايين الإصابات وآلاف الوفيات عبر العالم فإن الخسائر الاقتصادية التي ضربت الاقتصاد العالمي هي الأكثر تأثيرا والأطول أمدا وقد زاد من وطأة هذه الخسائر الاقتصادية أن الوباء ظهر أول ما ظهر في الصين التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة هي المحرك الأساسي للاقتصاد العالمي والشريك التجاري الأول لمعظم دول العالم وكنتيجة للإجراءات الاحترازية كتقييد الحركة  وحظر التجول وإجراءات التباعد الاجتماعي فقد انخفض جانب العرض من السلع التامة الصنع والسلع الوسيطة والخدمات ، وكذلك انخفض جانب الطلب وخصوصا في القطاعات التي تعتمد على الكثافات البشرية كقطاع السياحة وصناعات الترفيه ( كالسينما والمسارح والمعارض والأنشطة الرياضية ) وغيرها من الأنشطة الاقتصادية. وكنتيجة لهذه التداعيات الاقتصادية فقد تلاشت الآمال التي كان يعقدها المحللون بإمكانية أن يتخطى النمو الاقتصادي العالمي في عام 2020 حاجز ال 3.3% وحلت محلها نظرة تشاؤمية تنذر بموجة كساد عالمية فطبقا لتقرير نشرته منظمة التجارة والتنمية UNICTAD  في مارس الماضي فإن خسائر الاقتصاد العالمي كنتيجة لانتشار الفيروس وإجراءات مواجهته قد تتجاوز تريليون دولار أمريكي على الأقل كما توقع التقرير أن يتراجع النمو العالمي لأقل من 2.5% . 

ومن المؤكد أن تتأثر الاقتصادات العربية بدرجة كبيرة نتيجة هذه التداعيات الاقتصادية التي تضرب العالم أجمع وأن يكون التأثير أكثر عمقا وإيلاما وذلك نتيجة لأن أكثر القطاعات تأثرا على مستوى العالم نتيجة تفشي فيروس كورونا وكنتيجة للإجراءات الاحترازية لمواجهته هي قطاع السياحة وقطاع النفط والطاقة وقطاع النقل والملاحة وهي القطاعات التي تعتمد عليها معظم الاقتصادات العربية كأحد أهم مصادر الدخل فيها ، حيث يأتي في مقدمة الخاسرين: قطاع السياحة والخدمات الترفيهية فوفقا لإحصاءات منظمة السياحة العالمية فإن الانخفاض في أعداد السائحين سيتراوح ما بين 30% إلى 50% مقارنة ب عام 2019 علما بان أكبر انخفاض لحق بقطاع السياحة لم يتجاوز 4% في أعقاب أحداث سبتمبر 2011 ، أيضا قطاع النفط والطاقة يعد من كبار الخاسرين حيث يعاني القطاع من أزمة مزدوجة خلال الربع الأول من العام الجاري بعد ما تهاوت أسعار النفط لمستويات قياسية كما تسببت جائحة فيروس كورونا في تراجع الطلب على النفط نتيجة توقف حركة التصنيع في معظم الدول وتعطل حركة النقل مما تسبب في خسائر فادحة لمنتجي ومصدري مصادر الطاقة ، ونظرا لأن هذين القطاعين تحديدا يمثلان الرافد الأكبر من روافد الإيرادات والمكون الأساسي من مكونات الناتج المحلي الإجمالي في العديد من الدول العربية فإنه من المتوقع أن يتأثر اقتصاد هذه الدول بشدة جراء هذه الأزمة، فعلى سبيل المثال : 
في المملكة العربية السعودية: يعد النفط مكونا غالبا على مكونات الناتج المحلي الإجمالي وأهم مورد من موارد التصدير باعتبارها أكبر مصدر للنفط خلال العام 2019 ( إذ بلغت الصادرات النفطية السعودية في عام 2019 ما قيمته تزيد عن 758 مليار ريال سعودي ) وكنتيجة لذلك انخفضت  الصادرات البترولية السعودية في مارس 2020 لتصل إلى نصف ما كانت عليه في مارس 2019 وهو ما جعل فائض الميزان التجاري السعودي ينخفض إلى 7.8 مليار ريال سعودي في مارس 2020 مقارنة بــ43.3 مليار في يناير من نفس العام ( وفقا لتقرير الهيئة العامة للإحصاء بالمملكة العربية السعودية) ، علما بأن قائمة الدول السبع الأكبر تصديرا للنفط خلال عام 2019 ضمت أيضا دولا عربية أخرى هي العراق والإمارات العربية والكويت.

تأتي قطر على رأس الدول المصدرة للغاز الطبيعي المسال خلال عام 2019 بنسبة تصل إلى 30% من السوق العالمي وبإضافة دولتي الجزائر ( السادس عالميا ) وسلطنة عمان ( التاسع عالميا ) ترتفع حصة الدول الثلاث إلى 38 % من السوق العالمي ، وبالنظر إلى تهاوي أسعار الغاز الطبيعي المسال حيث فقدت أسعار الغاز المسال الفورية أكثر من ثلث قيمتها في أسواق آسيا وأوروبا منذ بداية انتشار فيروس كورونا وبالنظر إلى حجم مساهمة هذا القطاع في اقتصادات الدول الثلاث ندرك حجم تأثر اقتصادات هذه الدول وغيرها من الدول العربية الأخرى المنتجة والمصدرة للغاز الطبيعي جراء هذه الأزمة .

تعتبر السياحة مصدرا أساسيا للدخل وموردا رئيسا من موارد النقد الأجنبي في العديد من الدول العربية سواء السياحة الترفيهية ( في مصر والمغرب ولبنان والإمارات ) أو السياحة الدينية ( في المملكة العربية السعودية أو العراق ) أو سياحة المؤتمرات والمعارض التي تحتضنها العديد من الدول العربية : ففي مصر تقدر خسائر قطاع السياحة بحوالي مليار دولار سنويا وهو ما جعل البعض يتوقع ألا تحقق السياحة المصري أكثر من 10% من إيراداتها التي كان مخططا لها في العام 2020 ( بلغت إيرادات قطاع السياحة المصري في عام 2019 حوالي 13 مليار دولار وكان من المتوقع ان تصل إلى 17 مليار دولار في 2020)
وفي المملكة العربية السعودية ووفقا لتصريحات رسمية سعودية فإن قطاع السياحة السعودي يتوقع أن يشهد انخفاضا قد يصل إلى 45% وبصفة خاصة في ظل استمرار تعليق الطيران وتعطيل مراسم العمرة واقتصار الحج هذا العام على أعداد محدودة جدا من الراغبين في اداء المناسك لمختلف الجنسيات الموجودة داخل المملكة.

وفي الإمارات العربية المتحدة يعد قطاع السياحة هو الخاسر الأكبر كونه ساهم في الناتج المحلي الإجمالي بنحو 12% خلال العام 2019 (ما قيمته  45 مليار دولار )، وفي لبنان أيضا حيث تمثل السياحة المورد الأهم من موارد الدخل فإنه من المتوقع أن تصل خسائر القطاع إلى نحو500 مليون دولار شهريا، وليس الوضع بالأفضل منه في المغرب التي يساهم قطاع السياحة فيها بنحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي والتي تتوقع أن تنخفض إيرادات القطاع جراء تفشي كورونا بما لا يقل عن 40%.
   
الخلاصة: أن الاقتصادات العربية نتيجة اعتمادها على الموارد النفطية من جهة واعتماد صناعاتها غير البترولية على مكونات وسلع وسيطة يتم استيرادها، فضلا عن مساهمة قطاع السياحة بنصيب وافر في الناتج المحلي الاجمالي لمعظم هذه الدول، فإن التداعيات الاقتصادية لجائحة كورونا ستكون ذات أثر بالغ على الاقتصادات العربية وقد يمتد أثرها لما هو أبعد من استمرار تفشي الفيروس نفسه .
ويبقى السؤال : كيف واجهت الحكومات العربية ومؤسساتها الاقتصادية وبنوكها المركزية هذه الآثار والتداعيات ، وما هي الإجراءات التي تم اتخاذها للحد من هذه الآثار وخلق فرص تحفيزية مواتية للتعافي ؟ هذا سيكون موضوعا لمقالنا القادم بإذن الله .

باحث اقتصادي وخبير مصرفي مصري [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو