الجمعة 19 ربيع الثاني 1442 - 04 ديسمبر 2020 - 13 القوس 1399

التنمية وجودة التعليم - الانفصال عن الواقع

عبدالخالق بن علي

التعليم المؤثر في المجتمع هو التعليم المنطلق من عمقه والعائد إليه. التعليم المرتبط بالحياة الطبيعية للناس، بآمالها، ومشاكلها، ومنجزاتها. التعليم الذي يتبنى أهداف المجتمع وأحلامه ويعيدها إليه حلولا وأفكارا ومبتكرات. وهنا أتحدث عن الواقع الفعلي العملي للتعليم لا عن صورته المزيفة في الأذهان أو في الإعلام، سواء كانت إيجابية أو سلبية. والحقيقة التي أعرفها عن قرب والتي يعرفها الكثيرون، أن التعليم منفصل عن واقع المجتمع السعودي على ثلاث مستويات: التخطيط، والمناهج، والتطبيق والممارسة.

في البداية أشك أن التعليم يمتلك خطة استراتيجية واضحة المعالم. فمنذ عام 1425 تولى حقيبة وزارة التعليم ستة وزراء، وكل وزير يأتي بخططه الخاصة، بل إن بعض الوزراء غير خططه أكثر من مرة أثناء توليه الوزارة. والمعلوم أن أثر التعليم بعيد المدى، وذلك التغيير المستمر يفقده القدرة على التأثير العميق. وتبقى المشكلة الأكبر أن التخطط نفسها بعيدة عن واقع المجتمع. فقد سمعنا بالتجربة اليابانية، والتجربة الماليزية، والتجربة الفنلندية، وغيرها من التجارب التي مرت على التعليم السعودي، لكن لم نسمع عن التجربة السعودية التي تنطلق من عمق المجتمع والتعليم السعودي، وبأفكار سعودية وتطبيق سعودي. والأفكار العامة التي تعلن للإعلام دون أهداف محددة، وآليات عمل واضحة، ومراحل تنفيذ محددة بأوقات ونتائج، لا يمكن تسميتها خطط استراتيجية. 

انفصال آخر عن الواقع في التخطيط يتم داخل التعليم نفسه. فخطط التعليم وبرامجه تأتي من الأعلى لتفرض على الأسفل، دون أن تستقى تلك الأفكار من الميدان التربوي. مثلا ورشة عمل بإشراف الوزارة تستمر لما يقارب الشهر، وفي نهايتها تقدم توصيات للمشاركين في الورشة غير التي توصلوا إليها ليوقعوا عليها. أو المسؤولين الذي يجتمعون بالقيادات التربوية ليستمعوا إليهم دون أن يتم توثيق ذلك الاجتماع بأي شكل من الأشكال. وقد حضرت عشرات ورش العمل على كافة المستويات في التعليم على مدى 28 سنة، وأعلم يقينا أن نتائج تلك الورش لم تتجاوز مكان الاجتماع، وكل من أعرفهم من الزملاء يقولون بذلك. وقد اطلعت أكثر من مرة على طلبات من قيادات تربوية تحث المدارس على تغيير تقاريرها بما يتوافق مع توجه الوزارة. كذلك الرفض الشديد لأي نقد لبرامج الوزارة، وأشهر مثال التقييم المستمر (أنت نفذ وبس). 

انفصال المناهج عن الواقع كبير جدا وقديم ولا يمكنني التطرق لكل النقاط والأمثلة، لأني سأذكر ثلاث نقاط محورية عامة. الأولى أن معظم عناصر ونصوص المناهج ثابتة مرت على الآباء والأبناء والأحفاد، وكثير منها أصبح غريبا عن المجتمع بألفاظه ومعانيه وأهدافه. إبني منذ أيام يقرأ في منهج القراءة للصف الثالث ابتدائي - اعدادا للعام القادم - توقف عن القراءة وعلق على النص (هذا الكلام مو للأطفال) لما فيه من عنف. هذا النص درسته أنا كما هو في نفس المرحلة الابتدائية. تهدف رؤية 2030 إلى نقل المجتمع والاقتصاد إلى العالم الأول من بوابة الذكاء الاصطناعي، ومناهجنا مازالت تستقي مواضيعها وعناصرها من أعماق التاريخ.
كذلك تنفصل المناهج عن الواقع بعدم متابعتها للتطور العلمي والمعرفي في كافة المجالات، وبقاءها في مجملها جامدة أو تتغير ببطء شديد جدا لا يتوافق مع التطور السريع للعلوم والمعارف، ليس في العالم فقط بل حتى في المجتمع السعودي وخصوصا في جيل الألفية.

 فلم يعد التعليم والكتب المصدران الوحيدان للمعرفة، ولا حتى الإعلام، بل أصبحت وسائل الاتصال الحديثة والإنترنت تحديدا المصدر الأسرع وربما الأهم للمعرفة لدى البعض. وتأخر المناهج عن معارف الطلاب وخبراتهم يفقد التعليم قيمته وأهميته في نفوسهم، وبالتالي يفقد تأثيره فيهم وفي المجتمع. وقد سمعت كثيرا من الطلاب يقولون عن المناهج أنها (سخيفة) حتى في بعض في المناهج العلمية. ولهم الحق في ذلك فقد تجاوزت معارفهم المناهج. والطلاب الذين لم تصل أو تتجاوز معارفهم المناهج هم المتأخرون عن واقع العلم والمعرفة.


الحالة الثالثة التي تنفصل فيها المناهج عن الواقع في إصرارها على طرح وجهة نظر واحدة للعلم تمثل الحقيقة المطلقة سواء في المناهج العملية أو النظرية. ربما في الماضي القريب كان ترويج فكرة واحدة أو وجهة نظر واحدة في أي مجال من المعارف ممكنا. أما الآن فلم يعد ذلك ممكنا، وإصرار المناهج على ذلك الطرح الأحادي يؤدي إلى نتائج كارثية داخل الفصل: فإما يتم تكذيب وتحقير معارف الطلاب وإجبارهم على إخفائها، وهؤلاء يفقدون شخصيتهم وقدرتهم على المبادرة والتغيير. أو تحقير معارف المعلم بما يصغره في نظر طلابه، وبالتالي يصغر ما يقدمه من علم ومعرفة في نفوسهم. أو تكذب المناهج وتفقد قيمتها. وفي جميع الحالات يصبح التعليم منفصلا عن الواقع وغير مؤثرا فيه.

الانفصال الثالث للتعليم عن الواقع يحدث في الجانب التطبيقي. وهذا الانفصال يحدث في جميع المناهج تقريبا، لكن لإيضاحه سوف اعطي مثالا من المواد العلمية. مثلا عند شرح الإجراءات المحاسبية للقيد أو لإعداد الميزانية، ويراد تطبيق الجانب النظري بشكل عملي، يعطى الطالب مسائل/ مسألة نموذجية محددة العناصر والمعطيات. فلا يُمكن الطالب من جمع المعلومات ولا تحديد المعطيات ولا تنظيم البيانات، كل ما عليه فعله هو إعادة صياغة المعطيات التي قدمت له في الشكل النموذجي. وهذه الطريقة تفصل معارف الطلاب النظرية عن العملية. فيتوهم الطالب المعرفة، لكنه لا يجد على أرض الواقع نفس المعطيات التي كان يراها في المناهج، لذلك لا يستطيع الطلاب تطبيق معارفهم النظرية في الواقع العملي مهما كانت مستوياتهم أثناء الدراسة.

أدى ذلك الانفصال للتعليم عن الواقع بمستوياته الثلاث إلى عدة نتائج خطيرة. أولها بعد التعليم عن المجتمع وعن أهدافه الحقيقية ومشاكله الواقعية وعدم تأثيره فيها. ثم ضعف القدرة على قياس جودة مخرجات التعليم من قبل الوزارة والجهات الرقابية ذات الاختصاص والمجتمع، وخصوصا المجتمع العملي وسوق العمل. فقد يكون الخريج مميزا داخل النظام التعليمي لكن معارفه وتجاربه وخبراته محدودة بالنظام التعليمي ومتأخرة جدا عن الواقع، لذلك حين يصل للواقع لا يستطيع أو لا يعرف تطبيق معارفه ويصبح عاجزا عن مسايرة الحياة العملية الواقعية. والمؤسف أن أعداد هؤلاء الخريجين كبيرة جدا، ولا لوم عليهم فهم ضحية للنظام التعليمي. والعكس مع طالب أخر قد يكون غير مميزا في النظام التعليمي لكنه استطاع تنمية معارفه وتجاربه وخبراته خارج النظام بما يتوافق مع الواقع، وبذلك يستطيع الانطلاق في الحياة العلمية والعملية بجودة وسهولة. المشكلة أن المجتمع بكافة مستوياته لا يملك أدوات القياس القادرة على تحديد جودة مخرجات التعليم بغض النظر عن مستوياتهم داخله.

بالنتيجة أن مخرجات التعليم السعودي لن تكون قادرة على تنفيذ أهداف رؤية السعودية 2030 بما تحمله من معارف وتجارب وخبرات، ولابد من إعادة تعليمهم مرة أخرى بما يتوافق مع متطلبات الحياة العملية. وذلك ما يتم من خلال الابتعاث الخارجي، والتدريب العميق قبل الالتحاق بالعمل. والتدريب الذي يتم لمخرجات التعليم ليس تأهيليا بل لجسر الهوة الكبيرة بين التعليم والواقع العملي. ولعل اللغة الإنجليزية المطلوبة في كل مجالات الأعمال مثالا واضحا. وكم هم الطلاب الذين يحصلون على الدرجات النهائية في الرياضيات، لكنهم لا يستطيعون استخدامها في حياتهم العملية في مختلف التخصصات.

[email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو