الجمعة 19 ربيع الثاني 1442 - 04 ديسمبر 2020 - 13 القوس 1399

كيف ستواجه دول الخليج نقص عمالتها الوافدة؟

جمال بنون

من المؤكد أن فإيروس كورونا سيترك أثرا غائرا في اقتصاد دول الخليج على الأقل لخمس سنوات قادمة وربما تمتد إلى عشر سنوات حتى تستطيع التعود والتكيف مع وضعها، من أهم التأثيرات التي ظهرت سريعا في الشارع الخليجي، هو توقف الأنشطة التجارية سوى بعض المحلات ومراكز التسوق التي تبيع الأشياء والاحتياجات الضرورية، إلا أن ما يعيب النشاط التجاري في هذه البلدان، أن 70 في المائة منها يديرها عمالة من جنسيات متعددة تعمل في هذه البلدان، وأمام توقف الأنشطة وتراجع حركة البيع والشراء، اضطرت هذه الدول إلى فتح الباب أمام الراغبين من هذه العمالة العودة إلى بلدانها، ومع منع التجول وتقييد الحركة وإغلاق المحلات، سيغادر الكثير من العمالة متعددة الجنسيات إلى بلدانها، فبقاؤها غير مجد لا ماديا ولا عمليا، والمؤسسات لن تدفع مرتبات لموظفين يجلسون في منازلهم لا يفعلون شيئا.

دول الخليج تقترب من مرور 100 يوم على المنع الشامل التي فرضته حكوماتها، تقريبا غادر السوق ما يقارب 30 في المائة من الأنشطة الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغير، تقريبا توقفت أو غير قادرة على العمل، لان عمالتها إما تم وضعها في حجر صحي أو نقلوا إلى مواقع أخرى بعد حملة موسعة من السلطات لمعالجة سكن العمالة الوافدة، حيث تم اكتشاف الكثير من الحالات بينهم وبلغت النسبة ما بين 70 إلى 60 في المائة من إجمالي عدد المصابين. وبالتالي فمن المرشح ان تتعرض المنشآت الصغيرة والمتوسطة الى خسارة مضاعفة اغلاق المحلات ومغادرة العمال نتيجة الظروف الحالية.

أزمة كورونا ربما تكون درس في بيئة العمل وأهمية الاستفادة والاعتماد على المواطنين بشكل كبير ، ومن المهم أن يتم وضع الخطط وبرامج التوطين، بحيث تكون فرص العمل للوافدين في أضيق الحدود جدا وفي مجالات من المستحيل أن يعمل فيها المواطن. تجربة كورونا كشفت لنا الكثير من السلبيات لو أننا اهتممنا بها من قبل لكانت هذه الدول من الاوائل في حالات الشفاء، خاصة مع الإجراءات المحكمة والاحترازية التي طبقتها وشارك المواطنون في تنفيذها.

من المؤكد بعد إنهاء الأزمة وحسب الشروط التي وضعتها الجهات المعنية لسكن العمال والوافدين، ستكون التكلفة التشغيلية مرتفعة، مما يعني أنها ستنعكس على الأسعار والخدمات، وأقصد عمالة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من صالونات حلاقة وتجميل ومكتبات وقرطاسيا ومهن وحرف وعمال مطاعم وغيرها، ولا أقصد عمال شركات المقاولات والصيانة والتشغيل والمصانع الكبرى، لأن هذه الشركات لديها إمكانيات لبناء مقرات سكنية بمواصفات صحية وملائمة، أما المؤسسات الصغيرة فإمكانياتها محدودة لا يمكنها ان تبني مساكن لهم "اقصد العمال" وبالتالي عليهم تدبير انفسهم من توفير سكن جماعي او البحث عن رفقة في منزل.

تجربة الاحياء العمالية لم تخطط لها دول الخليج رغم انها من اكثر الدول استقداما واعتمادا عليها، اتفق ان دول الخليج في بداية نشأتها التنموية لم تكن لديها خبرات مهنية وفنية، انما بعد كل هذه العقود من المخجل الا يجد المواطن في بلاده موقعا مرموقا للعمل او حتى وظيفة يحصل عليها طالما انه قادر، وخاصة ان جامعاتها ومعاهدها وكلياتها و هناك شباب وشابات متفوقين ومبدعين في مجالات مختلفة، ولا يعطى له الفرصة او الاهتمام، ولا يزال العامل الوافد هو المرغوب وبقوة.

أزمة كورونا من الضروري أن تعلم هذه الحكومات دروس أو نقطة تحول في مسار العمل لصالح المواطن، ومن المهم وزارات العمل والموارد البشرية أن تعكف على مزيد من الدراسات والأفكار لتقليص نسب فرص العمل ما بين الوافد والمواطن الخليجي، من يصدق أن بعض دول الخليج نسبة السكان فيها  أقل من العمالة الوافد، وتصل نسبة الوافدين ما بين 54 في المائة إلى 88 في المائة، ما بين عمالة وأسرهم، بينما في السعودية تصل إلى 39 في المائة من نسبة السكان.

القرارات الخجولة من وزارات العمل في دول الخليج وعدم جديتها في العقود الماضية، يجب ان تتغير فكورونا سوف يلزم  حكومات الخليج بوضع معايير ومواصفات تتوفر فيها السلامة وبيئة صحية، وغياب العمالة الوافدة من سوق العمل خلال الأزمة وبعدها سيؤثر كثيرا وربما يصحح وضع هذه الأنشطة التجارية.

تعالوا نأخذ مثالا لدولة عربية مثلنا، إلا أنها لن يؤثر كثيرا على نشاطها التجاري حينما يغادر عمال وافدون، سوى انخفاض في عدد الأنشطة التجارية، وهذه الدولة هي مصر الشقيقة، لان كل الأنشطة الصغيرة والمتوسطة وحتى الناشئة هي مشروعات يعمل عليها المصريون في كافة القطاعات وإن كان هناك وافدون أو اجانب فهم يعملون لصالحهم وفي مؤسساتهم وانشطتهم التجارية او في شركات كبرى، وفي حال قرر هؤلاء العمال الوافدون العودة الى بلدانهم فلن يؤثر على النشاط التجاري، ولن يجد صاحب المتجر او المنشاة صعوبة في تغطية السوق المحلي من العمالة المصرية، بعكس ما يحدث في دول الخليج.

هنا يتطلب على الجهات العمالية ان تمنح امتيازات لهذه المؤسسات متى منحت الفرصة للعامل المواطن، كما عليها ان تشجع اصحاب المهن والحرف والمبدعين على الخوض في مجال التجارة والانشطة وتطوير اعمالهم. في السنوات الماضية لم تتمكن دول الخليج من تجاوز هذه الازمة لانها لم تكن مقتنعة بالمواطن، والمناداة بالتوطين كان فقط للاستهلاك الاعلامي، انما لم تكن هناك رغبة قوية، حتى وصل الامر، ان الشركات والمؤسسات الملتزمة بالتوطين كان يتم مكافأتها بمنح تسهيلات للحصول على تأشيرات أكثر.

ربما سيتألم الاقتصاد الخليجي من تطبيق التوطين بشكل موسع، ولكن سيؤسس لقاعدة مهمة في المستقبل، نرى فيها مواطنينا يسلكون في مجالات مختلفة من العمل، ولا نريد ان يكون المواطن الخليجي مديرا في كل المواقع تحت يده عمالة وافدة، ليس مبدعا ولا منتجا، من المهم ان نصنع أشخاص عصاميين مجتهدون، يبدأون بعرق جبينهم يرتقون نحو القمم. نريد أن نمنح ثقتنا في اقتصادنا الخليجي على يد أبنائه وبناته ولا ننكر جهود الإخوة الوافدين، إنما ليس إلى حد يدفع بالمواطن الى احد اركان بيته ونجلب الوافد ليجلس أماكننا.

كاتب وصحافي اقتصادي [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

أضافه جمال العقاد في 05/13/2020 - 15:55

شكرا استاذ جمال. موضوع هام جدا. تحياتي.

إضافة تعليق جديد

الفيديو