الثلاثاء 24 ذو القعدة 1441 - 14 يوليو 2020 - 23 السرطان 1399

متطوعين سعوديين في لندن

هيفاء أحمد الصباب

شوارع خالية، مساجد بلا صفوف وكعبة بلا طواف، وحدائق تخلو من ابتسامات الأطفال، بل اننا اصبحنا نرهب حتى من العطسة والكحة العابرة، هذا واقع مملكتنا الحبيبة وجميع اقطار الارض، فماذا عملت بنا جائحة كورونا؟ 

هذه السطور اكتبها لكم من احد فنادق العاصمة البريطانية لندن التي اقطنها الان على حساب السفارة السعودية هناك مع بقية ابناء الوطن في انتظار ترتيب عودتنا ان شاء الله. 

‏ورغم حالة الوجوم التي تجتاح المدن في العالم والحجر المنزلي الا ان هناك لمسات نتشرف بها من ابناء الوطن. من أهم ما لمسناه في الفترة الأخيرة في ظل اغتراب البعض في انتظار العودة للوطن وظروف الحجر الصحي والاجتماعي هي جهود المتطوعين السعوديين في أنحاء المملكة وامتدادا للمتواجدين منهم في دول أخرى. إن الاهتمام بالعمل التطوعي مطلبٌ حضاريٌ بالغ الأهمية؛ وقد تجسد ذلك وتعظّم في رؤية 2030م التي تطمح إلى تطوير العمل التطوعي، ورفع نسبة عدد المتطوعين فى المملكة إلى مليون متطوع.

لا شك أن شعوب الدول المتقدمة تولي العمل التطوعي جل اهتمامها في حين أن شعوب العالم الثالث، لا تعيره ما يستحق من الاهتمام، سواء على صعيد الفكر أو الممارسة، والأسوأ أن يصل الأمر إلى أن من يتطوع بجهده ووقته وماله وعلى حساب صحته واحتياجاته يجد أحيانًا من يعرقل تطوعه.

إن العمل التطوعي يعتبر إحدى الركائز الأساسية للمجتمعات الحديثة التي تنشد التنمية الشاملة، وهو دليل على حيوية الشعوب ورقيها، خاصة مع تعقد وتطور اوجه الحياة وسرعة إيقاعاتها واحتياجاتها 

نقف اليوم .. مغتربين محتجزين في مطارات دول.. تبذل مملكتنا الحبيبة جهوداً لرعاياها ولكن نبقى بين حالتين الشعور بالأمان الوطني واحتواء المتطوعين السعوديين يوماً بعد يوم لنا.

هل القطاع التطوعي جديد في ثقافتنا أم هو في دمائنا؟  

من خلال تجربة شخصية عشتها آمنت بأن التطوع قد يفوق التبرع بالمال، فالتبرع بالوقت والجهد اثرهما عظيم عبر أنشطة لخدمة المجتمع فهو عملية تفاعل ومشاركة فردية أو جماعية، تقوم على خدمة الإنسان لأخيه الإنسان عن حسن نية ورغبة فيما عند الله، وخدمة الصالح العام دون مقابل فقط ارتجاء ما عند الله. 

الارتقاء بعدد المتطوعين وبالبرامج والمبادرات التي تحتويهم وتساهم في تنمية القطاع من أهم ما يتجاوب مع مدى اهتمام حكومة المملكة بالمواطن بكافة احتياجاته باعتباره الركيزة الأساسية في تنمية أي مُجتمع. وقد جاءت تجربة العمل الجماعي والتطوعي بناءً على إيمان عميق بأن تلك الأعمال التطوعية لها دور كبير وهام في التنمية والتطور وبناء مستقبل أفضل ومن هذا المُنطلق؛ فقد حرصت المملكة على أن توفر بيئة مناسبة وإيجابية تُساعد على تطور التطوع وتنميته قدر الإمكان. 

مهما تعاظم الوعي المجتمعي واعلائه في الدول التي تهتم بالعمل التطوعي بتطور برامجه وممارساته تطورًا مذهلًا, والاحصائيات التي أثبتت أنه عملًا مؤسسيًا منظمًا، ورافدًا حيويًا من روافد التنمية ومهما أشارت المصادر الدولية بأعداد المتطوعين فإني أشهد بقطاع تطوعي سعودي ينمو يوماً بعد يوم. شهدناه اليوم في المتطوعين السعوديين الذين فاقت جهودهم ما يمكن لأي دولة استيعابها كجهد تطوعي مع المغتربين في دول عدة وحتى يعود المواطنون والمواطنات لديار الوطن في وقت جائحة لم نتوقعها. 

من تجربتي وحديثي مع بعض قاطني الفندق الذي اقيم فيه حاليا لم يشعرأحد بالاغتراب لوجود المتطوعين من شبابنا السعوديين الذين هم اصلا مغتربين، في يومياتنا .. فالمتطوعين السعوديين، جمعتنا بهم مملكتنا الحبيبة في منافذ (فنادق) نقاط تجمع لسلامتنا وأماننا وصل المواطن والمواطنة ليجد المتطوع في استقباله لتقديم يد العون في جميع النواحي ابتداءا من إجراءات تسجيل في السفارة لضمان العودة إلى وجبات طعام.

نفخر بديننا الاسلامي الذي انفرد بنظام شامل ومتكامل لجميع جوانب الحياة، ومن ذلك التكافل الاجتماعي, وخدمة الإنسان لأخيه الإنسان، وأبرز العمل التطوعي كإحدى الشعائر الإيمانية التي ترسخ مبدأ التكافل والأخوة الصادقة، قال صلى الله عليه وسلم: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إليَّ من أن أعتكف في هذا المسجد، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يقضيها له ثبَّت الله قدميه يوم تزل الأقدام» وقال: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم).

وتأسيسًا على ما سبق، فإن المفهوم العام للتطوع بشقيه الفردي والمؤسسي ينطلق أساسًا من إحساس المواطن بانتمائه للمجتمع في إطار القيم والنظم والتعليمات التي تنسجم وواقع الناس.

وبعد انقضاء أيام من تذوق فائدة العمل التطوعي في حاجاتنا لايسعني الا ان اقدم الشكر والتقدير لمقام خادم الحرمين الشريفين ولولي عهده الامين حفظهما الله ولجميع المسؤولين والى المزيد من الإضافات والانجازات لوطننا.

واخيرا، أتوجه بالشكر والاعتراف بالجميل لكافة المتطوعين السعوديين اينما كانت اراضيهم على ما يبذلونه من مجهودات كبيرة في سبيل خدمة الآخرين دون انتظار مُقابل، فضلًا عن أهمية كل ما تقدمه المؤسسات الدولية في ترسيخ مفهوم العمل التطوعي وأهميته في نفوس أبناء الوطن.

حفظ الله بلادنا الغالية وحفظ لها أمنها واستقرارها في ظل القيادة الرشيدة وازاح عنها وعن العالم هذه الجائحة.

مستشار أعمال استراتيجي - مدرب قيادات [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو