الأربعاء 14 جمادى الثانية 1442 - 27 يناير 2021 - 07 الدلو 1399

كيف يمكن للمنظمات إدارة المخاطر غير المالية بطرق أكثر فاعلية؟

مريم حسين اليحيى

ركزت مجموعة كبيرة من الأبحاث والدراسات على المخاطر المالية (مثل مخاطر السيولة والائتمان) وقدمت طرق كافية واستراتيجيات فعالة لإداراتها وتفادي حدوثها، بينما هناك قصور واضح وملحوظ في دراسة المخاطر الغير المالية وبيان أثرها الكبير على استقرار المنظمات، وبهذا السبب قد يواجه مديرو المخاطر بعض الصعوبات في قياس وإدارة المخاطر الغير مالية (مثل مخاطر الأمن السيبراني ومخاطر السمعة). هذه الصعوبات لا تعني أن يتم تجاهل هذه المخاطر أو عدم اعطاءها ما تستحقه من اهتمام وإدارة حيث أنها لا تقل أهمية عن المخاطر المالية. ينبغي على المنظمات إعادة هندسة عملية إدارة المخاطر والتركيز على كلا النوعين من المخاطر وبنفس درجة الاهتمام باعتماد نهج شامل متكامل وديناميكي لزيادة فعالية إدارة المخاطر. لذلك سوف نقوم بتقديم بعض التوصيات المقترحة التي قد تساهم في مساعدة المنظمات لإدارة المخاطر الغير مالية بشكل فعال.

تفعيل نموذج خطوط الدفاع الثلاثة:
يفترض هذا النموذج بأن هناك ثلاث مجموعات (أو خطوط دفاع) داخل المنظمة للمشاركة في إدارة المخاطر المختلفة التي تواجهها بفاعلية. يتمثل خط الدفاع الأول في الوظائف التي تملك وتدير المخاطر وهي مسؤولة عن تحديد المخاطر واتخاذ الإجراءات المناسبة لإدارتها بشكل فعال. بينما الخط الثاني للدفاع فيشمل الوظائف التي تقوم بالرقابة والاشراف على إدارة المخاطر، حيث يتم وضع بعض السياسات والإجراءات للرقابة المستمرة وتحسين عملية إدارة المخاطر.  أما بالنسبة لخط الدفاع الثالث فهو يتمثل في الوظائف المسؤولة عن تقديم توكيد وضمان مستقل إلى الإدارة العليا عن كفاءة وفعالية عمليات إدارة المخاطر والرقابة في الخط الأول والثاني. ينبغي على المنظمات تحديد مهام محددة وواضحة لكل خط من خطوط الدفاع الثلاثة ورسم حدوده والتأكد باستمرار من منع أي سوء فهم قد ينتج عنه تداخل بعض المهام والمسؤوليات بين الخطوط. كذلك ينبغي عليها التنسيق بين هذه الخطوط للتأكد بأن جميع مهام عملية إدارة المخاطر قد تم تغطيتها بالكامل وبشكل فعال.

المخاطر الغير مالية قد لا يمكن ملاحظتها بسهولة وكذلك يمكن انتشارها بسرعة كبيرة وفي وقت قصير (مثل مخاطر السمعة) مخلفة وراءها عواقب قد تكون وخيمة ومخاطر أخرى مالية وغير مالية تتطلب إجراءات سريعة لمنعها أو على الأقل للتخفيف من حدة آثارها. 

هذه المخاطر بحاجة إلى إدارة متماسكة ومتكاملة وبتفعيل نموذج خطوط الدفاع الثلاثة والعمل على تطوير وتحسين عمله قد يساعد المنظمات في تفادي حدوث أي مخاطر من الممكن أن تهدد استقرارها، حيث يفترض هذا النموذج بأن كل وظيفة في المنظمة لها دور محدد وواضح في عملية إدارة المخاطر. بمعنى إن إدارة المخاطر هي مسؤولية جميع العاملين في المنظمة لا تقتصر على قسم أو إدارة أو شخص معين .هذا التنوع في خطوط الدفاع الثلاثة سواء في خلفيات أفرادها أو خبراتهم أو المهام المنوطة إليهم قد يساهم في زيادة كفاءة التنبؤ بالمخاطر المختلفة التي من المحتمل أن تواجهها المنظمة ومحاولة منعها أو إدارتها من وجهات نظر مختلفة قبل أن تتصاعد إلى مستويات أعلى.

توظيف التقنيات المعرفية في عمليات إدارة المخاطر:
يمكن للمنظمات من استخدام التقنيات المعرفية في عملياتها المختلفة للزيادة من فعالية إدارة المخاطر، حيث يمكنهم أتمتة بعض المهام الخاصة بعمليات إدارة المخاطر باستخدام التقنيات المعرفية. هذه التقنيات مثل التحليلات المعرفية cognitive analytics، والتعلم الآلي machine learning يمكنها أن تحسن بشكل كبير من عمليات إدارة المخاطر، كما أنها تساهم في الحد من الأخطاء البشرية أو حتى منعها مقارنة ببعض الأدوات التقليدية لإدارة المخاطر. على سبيل المثال: قد تكون التقنيات المعرفية فعالة جداً في القطاع المصرفي، لا سيما بسبب الكم الهائل من البيانات التي يتعاملون معها والحاجة إلى تقديم خدمات شخصية مناسبة في وقت وجيز. كذلك لهذه التقنيات أهميتها في الكشف عن الاحتيال والمخاطر غير المالية التي يصعب الكشف عنها بالأدوات التقليدية. أيضاً يمكن أن تساهم في التنبؤ ومحاولة الكشف عن سلوك وتوجهات العملاء مستقبلاً. يمكن للمنظمات باستخدام هذه التقنيات من تحديد الأسباب الجذرية للمخاطر غير المالية وكذلك العلاقات والارتباطات بين المخاطر المختلفة وكيف يمكن أن يؤدي أحدها إلى الآخر وفي النهاية استخدام هذه المعلومات التي تحصل عليها لدعم وتحسين القرارات التي بصدد اتخادها.

العمل على تطوير وتحسين قدرات الموظفين في إدارة المخاطر:
على المنظمات العمل على تعزيز قدرات موظفيها وتغيير بعض تصوراتهم الخاطئة فيما يتعلق بالمخاطر، حيث ينبغي عليها تفعيل برنامج خاص للموظفين يساعد في خلق أو زيادة الوعي بثقافة المخاطر ويعمل على تحسين سلوكهم تجاهها. أما الموظفين فينبغي أن يضعوا في اعتبارهم أن إدارة المخاطر وتحقيق أهداف المنظمة هي مسؤولية مشتركة بين جميع الأطراف العاملين داخل المنظمة وليس فقط مسؤولية مديري المخاطر. أيضاً ينبغي التركيز على الكفاءة الذاتية للموظفين ومعتقداتهم المختلفة وكيف ينعكس ذلك على آدائهم في إدارة المخاطر. 

طرح Seligman في عام 1998 ما يسمى بمفهوم "التفاؤل المكتسب" وشرح كيف يمكن أن تؤثر أفكار الموظفين سواءً الإيجابية منها أو السلبية تجاه الأحداث المختلفة على آدائهم في إدارة المخاطر. من الأفضل للمنظمات أن تعمل أيضاً على تحسين القوة النفسية للموظفين وتجعلهم أكثر مرونة في مواجهة التحديات والمخاطر، حيث من المرجح أن تنعكس هذه المرونة على المنظمة ككل وتجعلها أسرع في الاستجابة للكوارث والتحديات المختلفة وكذلك أسرع في التشافي منها مقارنة ببعض المنظمات الغير مرنة. أيضاً المنظمات التي تتميز بالمرونة تكون أجدر وأكثر كفاءة في إدارة المخاطر وحل المشاكل المعقدة. والجدير بالذكر أن أغلب نقاط القوة التي ينبغي على المنظمات تعزيزها في الموظفين هي مكتسبة ويمكن تعلمها.
 

أكاديمية وزميلة الهيئة السعودية للمحاسبين القانونيين [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو