السبت 26 ذو الحجة 1441 - 15 أغسطس 2020 - 24 الأسد 1399

إيقاف الخدمات الحكومية الالكترونية من خلال التنفيذ القضائي .. ضمانة للدائن أم ظلم للمدين

د. يحيى الجدران

في ظلِّ السعي الحكومي الحثيث في المملكة نحو التحول الالكتروني للخدمات الحكومية بغرض جعلها أكثر يُسراً وسرعة وسهولة، فقد تمَّ اعتماد الصيغ والقواعد الرقمية الكفيلة بتقديم كافة الخدمات الحكومية بالطرق الالكترونية، وذلك ابتداءً من نظام "أَبْشِرْ" الذي أطلقته وزارة الداخلية، ونظام "يَسِّرْ" الخاص بالتعاملات الالكترونية الحكومية، ونظام "نَاجِزْ" القضائي وهو المنصة الإلكترونية التابعة لوزارة العدل السعودية.

لقد شكَّلت تلك الأنظمة نقلةً نوعيةً في مستوى حوكمة المعاملات، وأوجدت منصَّاتٍ الكترونيةٍ مدنيةٍ واستثماريةٍ جاذبةٍ وآمنةٍ في نفس الوقت.
إلاَّ أنَّ نظام التنفيذ القضائي في المملكة وجد في هذه المنصَّات الالكترونية طريقاً لضمان حق الدائن في مواجهة المدين الذي يُمَاطِلُه بتسديد المبالغ المُستحقَّة عليه.

فكان أن أقرَّت اللاَّئحة التنفيذية لنظام التنفيذ قاعدةً مفادها إيقاف الخدمات الالكترونية الحكومية في مواجهة المدين كنوعٍ من أنواع الضغط المشروع عليه حتى يُسارِعَ إلى أداء ما في ذمَّته من حقوقٍ قائمةٍ تجاه الدائن.

وفي الواقع كان لهذا الإجراء آثاراً عميقةً على حقوق المواطنين، الأمر الذي خلط الحابل بالنابل؛ فأصبح المدين المُترَاخِي أو المُتهرِّب عن دفع مبلغ الدين متساوياً من حيث المعاملة مع المدين الغارِم غير القادر على الدفع.

والأكثر خطورةً على مجرى العدالة كان في استخدام إجراء إيقاف الخدمات الحكومية الالكترونية كأسلوبٍ كيديٍّ في بعض حالات الخصومة؛ حيث يقوم الدائن باستغلال هذا الإجراء للتنكيل بالمدين -ولو لبعض الوقت- على الرغم من يقينه بقدرة ورغبة المدين على السداد.
كما أنَّ مدى الضرر الذي كان يتعرَّض له المدين بسبب إجراء الإيقاف هذا يتجاوز في الحقيقة المنفعة المقصودة منه؛ فالمدين سيكون في حالةٍ أشبه بالحَجْرِ المدني بمجرَّد إيقاف خدماته، الأمر الذي قد سبَّب إرباكاً وتجميداً لحقوق المدين كونها تحتاج إلى تحريك مصالحه من خلال المنصَّة الالكترونية الحكومية.

ونتيجة انتشار حالاتٍ كثيرةٍ من الظلم بين شرائحٍ واسعةٍ جداً من المدينين، فقد ارتأت وزارة العدل تعديل اللاَّئحة التنفيذية لنظام التنفيذ بموجب القرار رقم 7207 بتاريخ الأربعاء 4-6-1441هـ الموافق 29-1-2020م، وقد تمَّ بموجب هذا التعديل إلغاء المادة التي كانت تُخوِّل إيقاف الخدمات الالكترونية للمدين من نظام التنفيذ بشكلٍ تامٍّ.

ويمكننا تحديد مجموعة من الاستنتاجات عبر التحليل المنطقي لهذا التعديل الأخير في أسلوب تطبيق نظام التنفيذ:
*يتلاءم هذا التعديل مع النظرة الإنسانية التي فرضها الله سبحانه وتعالى علينا عندما قال في كتابه العزيز: "وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ" (آية 280، سورة البقرة) صدق الله العظيم.

*يُرَاعِي التعديل الأخير المصالح الإنسانية للمدين، فهو يتوافَق مع عدم جواز الذهاب بعيداً في الخصومة القضائية إلى درجة الإمعان في تعطيل مصالح الخصم بهدف التنكيل به، كما أمرنا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عندما قال: "آيةُ المُنَافِقِ ثلاث... وإذا خَاصَمَ فَجَرَ" (حديث عبد الله بن عمرو في الصحيحين) صدق رسول الله.

*يتوافَق هذا التعديل مع ضرورة عدم معاملة المدين على أساس وجود حَجْرٍ مدنيٍّ عليه دون صدور حكمٍ قضائيٍّ نافذٍ بهذا الخصوص.
*يندرجُ هذا التعديل ضمن سياق نشر ثقافة المسامحة فيما بين المُتعامِلِين؛ فلا يجوز النظر تجاه المدين بنظرة الشخص الذي يُفترَض فيه قِلَّة الذمَّة والأمانة، فقط لكون الظروف الصعبة قد أوقعت به في هذه الحال.

ولكن بالمقابل، فإنَّ التحليل النقدي لهذا التعديل سيقودنا إلى النتائج التالية:

*أنَّ السماح للمدين بالمُمَاطَلَة في أداء المبالغ التي في ذمَّته يتعارض مع الأدلَّة الشرعية الواردة في القرآن الكريم والتي تحثُّ على أداء الدين، وذلك بصيغة الإلزام: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ" (آية 1، سورة المائدة) صدق الله العظيم.

*أنَّ شريحة المدينين التي تتهرَّب عادةً من سداد الديون التي في ذمَّتها قد حقَّقت مكسباً كاملاً على حساب حقوق الدائنين عبر التعديل الأخير؛ فلم تعدْ هناك أيَّة ضمانةٍ فعليَّةٍ للتنفيذ إلاَّ بالحبس التنفيذي، والإجراء الأخير مشروطٌ بتجاوز مبلغ الدين لمليون ريال وعدم بلوغ الشخص لستين عاماً، وغير ذلك من الشروط الواردة في التعديل الأخير.

وبناءً عليه، فإنَّ موقف اللاَّئحة التنفيذية السابقة لنظام التنفيذ كان بعيداً عن التوفيق؛ لأنَّه كان في صفِّ الدائن إلى أبعد مدى، كما أنَّ تعديل هذا النظام نراه بحاجة إلى إعادة نظر؛ لأنَّه يذهب مع المدين إلى تحقيق آخر مصالحه دون النظر لحقِّ الدائن.
خاصةً أنَّنا نرى في أروقة المحاكم الكثير من الأمثلة على ضياع حقوق الدائنين.

ولذلك أرى أنَّ الحل المناسب لهذه الإشكالية يكمن في تغيير الرؤية التنظيمية من أساسها؛ فالقواعد المُتعلِّقة بتنفيذ الأحكام القضائية تحتاجُ إلى تركِ هامشٍ من التقدير لقاضي التنفيذ حتى يتسنَّى له تقدير الأمور، واتِّخاذ ما يلزم من إجراءات بغاية ضمان حقوق كلا من الدائن والمدين بشكل متوازن. 

فإذا استقرأ القاضي من ظروف المدين يُسْرِ حاله -كأن يكون موظَّفاً- أو غِناه –كأن يكون من أصحاب الأملاك- ورغم ذلك امتنع عن الوفاء لمدة طويلة، قام القاضي بإيقاف الخدمات الحكومية الالكترونية بشكلٍ كلِّيٍ، وإذا استقرأ القاضي عسر حال المدين أتاح له بعض الميسرة أو قيد الخدمات الالكترونية التي يمكن أن يتلقَّاها بشكلٍ جزئيٍّ.

أمَّا إلغاء أيَّة صلاحية لقاضي التنفيذ بإيقاف الخدمات الحكومية الخاصة بالمدين سيؤدِّي إلى نتائجٍ سلبيةٍ عميقةٍ بين الناس؛ حيث إنَّ التساهُل الزائد مع المدينين سيدفع المُعتَادِين منهم على التهرُّب من التزاماتهم إلى ممارسة شتَّى أساليب تضييع حقوق الدائنين، هذا إلى جانب إمكانية دخول عددٍ كبيرٍ من المدينين في شريحة المُتهرِّبين بفعل وجود البيئة المناسبة بعد إقرار هذا التعديل.

وبالمُحصِّلة، يُمكِنُنا عبر استقراء هذه المعطيات الجزئية أن نصل إلى نتيجةٍ عامَّةٍ مَفادها أنَّ إجراء إيقاف الخدمات الحكومية الالكترونية في المملكة هو ذلك النوع من الإجراءات الذي يحتاج إلى حكمةٍ وتدبُّرٍ في تطبيقه؛ فهو شرٌّ لا بدَّ منه بغرض درء شرٍّ أكبر.

محامي و باحث في الدراسات القانونية [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

أضافه اميرة في 07/13/2020 - 17:30

ماالحل بعد ترك الحساب ولا يهمهم وقف الخدمات يتعاملوا بشركات اخري

إضافة تعليق جديد

الفيديو