الأحد 15 ذو القعدة 1441 - 05 يوليو 2020 - 14 السرطان 1399

الأمم كعلامات تجارية (2) 

د. يحيى مفرح الزهراني

 الايسام المفهوم والتطور: 
استكمالا لسلسلة المقالات حول مفهوم الأمم كعلامات تجارية أو محاولة تفكيك المصطلح الإنجليزي Nation Branding بما يطلق عليه مصطلح "الايسام"، فإنه من الأهمية بمكان الإشارة الى الإشكالية اللغوية لتعريب هذا المصطلح، حيث استخدمت بعض الأدبيات العربية مصطلحات متداخلة مثل: الوسوم – الايسام – التوسيم – الهوية الوطنية – الصورة الذهنية... وغيرها.

وذلك يرجع لعدد من الأسباب نشير للبعض منها على سبيل الذكر لا الحصر:
1- تداخل التخصصات لهذا المفهوم فهو يجمع ما بين السياسات العامة والعلاقات الدولية والتسويق والاعلام
2- حداثة الادبيات العربية وندرتها في هذا المجال
3- ان سبب اختلاف التعريب تكمن في تباين التخصصات فكل محاولة للتعريب تعكس الخلفية المعرفية للمترجم
4- مازال هذا المجال في خضم تطور أكاديمي وعلمي مستمر.
تجدر الإشارة إلى ان الممارسة -أحيانا- تسبق الطرح الأكاديمي او التصنيف اللغوي، ينظر العاملون في مجال العلامات التجارية والمسوقين إلى العلامة التجارية للأمة في الغالب كأداة إستراتيجية لتعزيز الميزة التنافسية للدولة،  للاطلاع على المقال السابق فضلا أضغط هنا.

في كتاب «الدبلوماسية في عالم يتحول إلى العولمة: نظريات وممارسات»، يحدد المؤلفون العلامة التجارية للأمة بأنها «تطبيق مفاهيم وتقنيات تسويق الشركات على البلدان، من أجل تعزيز سمعتها في العلاقات الدولية».إن صنع العلامات التجارية من أجل بناء علاقات بين مختلف الجهات غير مقيدة بالدول، بل إنها تمتد إلى القطاعين العام والخاص في الدولة وتساعد في تحقيق اهداف الدولة. ومن هنا تزداد أهمية ما يسمى "القيمة الرمزية للمنتجات"، والتي دفعت البلدان إلى التأكيد على خصائصها المحلية المميزة كبلد المنشأ او النموذج "الأصلي". إن العلامة التجارية وصورة الدولة «والانتقال الناجح لهذه الصورة إلى صادراتها -لا يقل أهمية عما ينتجان ويبيعان بالفعل».يشار إلى هذا أيضًا باسم تأثير بلد المنشأ. وهنالك امثلة دولية عديدة في تدخل حكومات من اجل تعزيز صفقات لصالح شركاتها.

ظلت الدعاية والدبلوماسية الثقافية والجمهور هي الأدوات الأساسية للقوة الناعمة طوال القرن الماضي، بدأ مفهوم «مركنة الأمم» (مشتق من ماركة او علامة مسجلة) «وسم الأمم» مفهوم تحويل الأمم إلى علامات تجارية، يلعب دورًا أساسيًّا للدبلوماسية الأجنبية في العقد الماضي. 

تطور ذلك المفهوم وأصبح يعرف بأنه: «تطبيق تقنيات العلامات التجارية للشركات على البلدان»، ومن جانبٍ آخر فيشير الخبراء في هذا المجال إلى ان صناعة العلامات التجارية حتى على مستوى المدن والدول بحد سواء اصبح ذا أهمية، ويعزى ذلك الى «إنَّ الدول أصبحت أكثر إدراكًا لقيمة علامتها التجارية كأصل، وفهم قيمة العلامة الوطنية يساعدها في فهم نوعية الاستثمارات التي ترغب بها و وضعها في صورتها بشكلٍّ أفضلٍّ فعلى سبيل المثال: إلى أيِّ مدى يُساعد شعار جذاب في جذب الاستثمارات الأجنبية؟ ماذا عن محطة إذاعية وطنية؟». ويطالب احد الخبراء في المجال "أنهولت" في ذات السيِّاق بالتركيز على الجوانب السلوكية لإدارة صورة «الأمة»، مقترحًا على المسؤولين في الحكومة والمنظمات غير الربحية وعالم الأعمال يمكن أنّْ يتعاونوا بشكلٍّ أفضلٍّ للتأكد مِن أنَّ الرسائل التي يصدرها بلدٌ ما، تُمثل ما يعتبرونه «الهدف المشترك الأساسي» لبلدهم. ومع ذلك يبقى السؤال مطروحا، من هو الشخص او الجهة المسؤولة عن العلامة التجارية الوطنية هل هي الجهات التجارية ام الإعلامية، او القطاع الخاص، او خليط من كل هذا، وكيف يمكن خلق مؤشرات تقيس ذلك سواء من ناحية التأثير والمؤشرات الدولية القائمة، او كذلك قياس أثر السياسات الخارجية ومدى نجاحها، وانعكاس كل ذلك على القطاع الخاص للدولة.

العلامة التجارية للأمة هي مجالٌ نامٍ يواصل فيه الباحثون البحث عن إطار نظري موحد. تهدف العديد من الدول إلى تحسين مكانة بلادهم، حيث إن صورة وسمعة أمة يمكن أن تؤثر بشكل كبير على حيويتها الاقتصادية. إنهم يسعون إلى جذب رأس المال السياحي والاستثماري، وزيادة الصادرات، وجذب القوى العاملة الموهوبة والإبداعية، وتعزيز نفوذهم الثقافي والسياسي في العالم. تشمل الطرق المختلفة التي تقوم بها هذه الدولة بتسويق علامتها التجارية التصدير والاستثمار الأجنبي المباشر والسياحة. أحد الأمثلة على تصدير المنتجات هو أن البلد الذي تشتهر به ألمانيا لصناعة السيارات لديها لأن شركات السيارات الشهيرة مثل مرسيدس وأودي وبي إم دبليو هي شركات ألمانية. مثال على الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي تساعد العلامة التجارية الوطنية هي الشركات الأمريكية التي تقوم ببناء المعابد وغيرها من الدول الأوروبية التي لديها مصانع في بلدان مختلفة.

وهنا نطرح سؤالاً حول ممارسة هذا المفهوم من قبل دول العالم المختلفة؟ وهل تلك الممارسات محصورة فقط على الدول الأكثر نموا؟ وماهي المؤشرات التي تعتمدها المؤسسات الدولية لقياس "ايسام" الدول هذا ما سنتطرق إليه بمشيئة الله في المقال القادم، أما قبل الختام، هنا دعوة للقائمين على مجامع اللغة للإسراع بتعريب المصطلحات العلمية المتخصصة، سيما وأن كمية المصطلحات الحديثة العلمية في كل مجال في ازدياد مستمر، إن لغتنا العربية لغة جميلة، وأنيقة، وقابلة ان تحتوي أي مصطلح علمي جديد بدقة وعناية، وهي دعوة مشتركة للعلماء والباحثين متعددي التخصصات للمشاركة كذلك في التفاعل اللغوي والمعرفي، والناشرين بدعم الكتابة العربية المتخصصة وتعميمها حتى يستفيد منها الجميع.
وبالله التوفيق

[email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

محمد جمعان اذا الغيت المنشأة او النشاط هل لدي مستحقات لان ما قد استلمت...
حمود حاولت أن تجعل من المواطن غبيا .. لكنك لم تنجح ..
عبدالمجيد بالله وش قصدك بمنافسة القطاع الخاص، المفروض القطاعين مكملين...
احمد هل يوجد غرامة للمنشاءة التي لاتطبق هذه الايحة اولم تصدر...
ناصر محمد دولنا الاسلامي تحتاج الى آلية مماثلة تجمع المعلومات وتوفرها...

الفيديو