الثلاثاء 11 ربيع الأول 1442 - 27 أكتوبر 2020 - 05 العقرب 1399

لماذا قطاع الخدمات الاستشارية الإدارية والاقتصادية بحاجة لهيئة ترعى مصالحه؟

د. جمال عبدالرحمن العقاد

الكثير من طالبي الخدمات الاستشارية خاصة في القطاع العام اعتمدوا بشكل واسع جداً على مكاتب الاستشارات الإدارية والاقتصادية الأجنبية. مما نتج عنه بعض السلبيات. أهمها هو اجحاف في اعتبار الكفاءات الوطنية (مكاتب وأفراد مستقلين) وعدم عدالة المنافسة لصالح المكاتب الاجنبية. صدر الأمر الملكي – في سبتمبر 2019 – لمعالجة هذا الوضع والقاضي بعدم تعاقد الجهات الحكومية مع المكاتب الأجنبية إلا في حال عدم توفر الخيارات الوطنية لتقديم الخدمات الاستشارية المطلوبة.

الأمر الملكي السامي أعاد الحياة للمستشار السعودي المتخصص وعزز من مكانته وصان كرامته. لأنه سيتيح الفرصة للكثير من أصحاب الخبرات والتجارب المتواجدين (وربما أيضا لمن اضطر أن ينسحب من الساحة بسبب الإحباط) لتقديم عصارة معرفتهم العلمية والعملية. والمشاركة الفاعلة في عملية الإصلاح والتطور الحاصلة بالمملكة تحت مظلة رؤية المملكة 2030. 

وهنا نسأل: مع الأمر الملكي الكريم، هل حان الوقت لقطاع الخدمات الاستشارية الإدارية والاقتصادية أن يكون له هيئة ترعى مصالحه كباقي المجالات الأخرى مثل المحاسبة والهندسة والمحاماة؟

بالرغم من أن المطالبة في هذا الخصوص قديمة، الا ان الوضع اليوم – خاصة مع الامر الملكي الكريم الذي يعزز مكانة المستشار السعودي الحقيقي والاستشارات الإدارية والاقتصادية كتخصص - يستدعي أن يُنظر لهذا المجال بجدية لكي يُؤسس على قاعدة علمية ومهنية راقية. في العالم المتقدم، الإدارة والاقتصاد يصنعان قطاع استشاري تخصصي هام جداً لما له من دور محوري محايد في وضع الاستراتيجيات. والنظر في مدى جدوى المشاريع الاقتصادية الإنمائية والبرامج الاجتماعية التنموية وتنفيذها ووضع خطط تشغيلها. وبناء أدوات القياس والأداء التنفيذية والاقتصادية – على أسس علمية - لمخرجات برامج النمو والتنمية في القطاعين العام والخاص. 

وفي ظل التحديات التي تزداد أمام متخذي القرار لدينا سوآءا في القطاع العام أو الخاص بسبب تطور المملكة المتسارع ونوعية وضخامة المشاريع المقامة وما هو مخطط له، فإن التردد في الاستعانة بالكفاءات الاستشارية الوطنية المتخصصة والمحايدة في الإدارة والاقتصاد ربما لا يضمن الاستقلالية والحيادية في ابداء المشورة بخصوص جدوى تنفيذ مشاريع جديدة أو تقييم فعالية مشاريع قائمة. وتعد مسألة محفوفة بالمخاطر المرتبطة بالخسائر وفشل هذه المشاريع. 

خاصة أن رؤيتنا بدأت فعلياً الانتقال من مرحلة الإنجازات الى مرحلة المخرجات. وهذا يستدعي تواجد مستشارين محترفين خاصة في محاكاة السيناريوهات التنبؤية الاقتصادية واستراتيجيين ومتخصصين في الايكولوجية التنظيمية وعمليات التقييم والإصلاح وإعادة التأهيل وإدارة التغيير التي ربما تحتاجها بعض المنجزات – بحكم مستجدات الظروف والتحديات - سوآءا الهيكلية أو التشغيلية أو المجتمعية. 

هذا يستدعي أن نتخلص من النظرة الدونية باعتبار الاستشارات الإدارية والاقتصادية من المهن الإدارية العامة وليست تخصصية. وأن يُعترف به - من خلال وجود هيئة مستقلة للمستشارين الإداريين والاقتصاديين المتخصصين - كقطاع تخصصي خاضع لعملية ترتيب الدخول فيه وممارسة تقديم الخدمة تحت مراقبة منهجية علمية ومهنية. واعداد اختبارات رخصة مزاولة للعاملين فيه. فعملية تطوير القطاع الاستشاري الوطني ورفع كفاءته ووضع ضوابطه وشروطه مسألة تفرض نفسها. وهذا يعني أن المعايير المهنية والتخصصات والممارسة بحاجة الى تعريف واضح. تماما كالحاصل في هيئات المحاسبة والمهندسين. 

كما أن هذه الهيئة الجديدة سيكون لها دور كبير في ترسيخ حماية المكاتب الاستشارية الوطنية والمستشارين الافراد – كمتخصصين محايدين - والدفاع عن مصالحهم. وضبط المنافسات الغير عادلة من قبل مكاتب الاستشارات الأجنبية في المشاريع الكبرى وهي مسألة في غاية الأهمية. والعمل على حماية المصالح الوطنية من خلال وضع تشريعات لضبط وتأمين المعلومات المتداولة عن المنشآت الكبرى والاقتصاد الوطني. وهذه مسألة حساسة وربما تحتاج الى تنسيق مع جهات رقابية أخرى. وأيضاً على مستوى المشاريع الصغيرة والمتوسطة في القطاع الخاص – وهي مسألة حيوية للاقتصاد الوطني – من خلال تنظيف السوق من كل المتطفلين عليه (مكاتب وافراد) بما يضمن عدم الاضرار بسمعة المشورة الوطنية المحترفة في الإدارة والاقتصاد. 

مكاتب استشارية ومستشارين أفراد بأعداد تعدت المنطق – بسبب سهولة استخراج ترخيص مزاولة - وفي سوق ضخم يقاس بالمليارات، وفي بيئة غير منظمة بالشكل المهني المطلوب الذي يراعي مبدأ الاحترافية والتنافس العادل أسوة بالبيئات الأخرى كالمحاسبة والهندسة والمحاماة، ومع عدم العدالة في أن يُنظر للمكاتب الأجنبية بأنها تخصصية بينما المكاتب الوطنية ليست سوى تجمعات لمهن إدارية من الدرجة الدنيا، كل هذا يستدعي تحرك جاد تجاه تأسيس هيئة مستقلة لرعاية مصالح هذا القطاع الخدمي الوطني الهام وضبط طريقة عمله.

هنا، تكمن فرصة في أن يُستفاد من تجارب الهيئات القائمة – خاصة هيئة المحاسبين والمهندسين والمحاميين – لإنشاء هيئة المستشارين الإداريين والاقتصاديين. وربما تساهم شركات ومصارف كبرى من القطاع الخاص في رعاية تنفيذ مهمة تأسيس هذه الهيئة. فمثل هذه المنظومات الإدارية والاقتصادية الضخمة قادرة بلا شك وبجدارة - بحكم تجربتها وإمكانياتها - من المشاركة الفاعلة في تأسيس هيئة تخدم المستشارين الإداريين والاقتصاديين وخطط المملكة المستقبلية. 

استشاري في تطوير المنظومات الاقتصادية وإدارة التغيير وإعادة تأهيل المشاريع المتعثرة [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

سالم زيد العديلي أنا أشكر الدكتور علي طرحه للموضوع. وهناك مشكلتان في الموضع:...
هشام بن أمين خياط بدأ اهتمام المملكة بالطاقة المتجددة والبديلة منذ عقود....
عادل عبدالله الأنصاري للاسف هذا ماحصل معي بحجة اعادة الهيكلة بعد خدمة أكثر من...
خالد واضح أن الكاتب بعيد عن واقع البنوك مقال مليء بالمفاهيم...
محمد هيهات كم شكينا على المشغلين والتصعيد ما ان يصل الى الهيئة...

الفيديو