الثلاثاء 24 جمادى الثانية 1441 - 18 فبراير 2020 - 28 الدلو 1398

لماذا لا نحترم القطاع الخاص ؟

عبد الرحمن احمد الجبيري

بداية اسمحوا لي أن اسجل اعجابي الكبير بالتطور المتسارع في نوعية وسرعة الخدمات التي تقدمها معظم الأجهزة الحكومية والتي باتت اليوم تسجل حضوراً مبهراً باقترابها الكبير من المستفيدين ولم ينتهي الأمر كذلك فحسب بل أنها ابتكرت اساليب جديدة لا تقل أهمية عن الخدمة وهي تقييم العمليات ومتابعة اداء أي إجراء يتم آلياً ، فبرنامج يسّر وفقاً لموقعهم الرسمي يستهدف تطوير وإدارة عدد من المبادرات والمنتجات الخاصة بالتعاملات الإلكترونية الحكومية في المملكة بأفضل المواصفات الفنية والأمنية، وهو حلقة الوصل بين الجهات الحكومية في رحلة تحوّلها إلى التعاملات الإلكترونية الحكومية.

وفضلاً عن هذا البرنامج فما ان تنتهي من أي اجراء حكومي حتى تصلك رسالة بالجوال لتقييم الأداء ناهيك عن المنصات والتطبيقات الأخرى فعملية التقييم ليست تحصيل حاصل كما يعتقد البعض بل انها اجراء مهم يساعدهم في الحفاظ على مواطن القوة ويعالج أي قصور وعليه فإننا مطالبون بالتعاون مع هذه التقييمات من اجل الحصول على خدمة مستقبلية نوعية لك ولغيرك على نحو افضل. وفي ذات الصدد يأتي أيضا الدور المتميز للمركز الوطني لقياس أداء الأجهزة العامة ، وهو معني بقياس الأهداف المرسومة بناءً على استراتيجيات الأجهزة العامة في الدولة ثم إعداد التقارير الدورية عن أداء الأجهزة العامة وتشمل عملية القياس استطلاعات الرأي وقياس رضى المستفيدين من خدمات الأجهزة العامة عبر تطبيق نماذج ومنھجیات وأدوات موحدة تدعم كفاءتها وفاعليتها  وإصدار تقارير دورية عن مدى تحقق الأهداف الاستراتيجية لأي جهة وربطها بمؤشرات الأداء تقيس رضا المستفيدين عن الخدمات الحكومي وهو ما انعكس إيجاباً على النتائج التي أُعلنت الأسبوع المنصرم بارتفاع نسبة الجهات الحكومية في نتائج مؤشر نضج الخدمات الحكومية الرقمية.

وعودة الى أداء القطاع الخاص فقد تناقشت الأسبوع الماضي مع عدد من رجال الاعمال عن جودة الخدمات التي يقدمونها للعملاء وما بين السطور يقول رجال الاعمال بأن معطيات ثقافة عمل القطاع الخاص لاتزال تحمل في طياتها سلوكاً مجتمعياً واعلامياً مغايراً للحقيقة وأن امامهم وقتاً طويلاً لتحويل النظرة نحو الإيجابية وانهم يأملون في تصحيح هذا المفهوم إعلاميا واجتماعياً ذلك لانهم يرون ثقافة القطاع الخاص من وجهة نظر المحتوى الاعلامي المُقدم يجب ان يكون افضل مما هو عليه.

حسنا .. لننظر للأمر من زاوية الانصاف والقراءة المتأنية فقد كتب الزميل القدير الاستاذ خالد مساعد الزهراني في عموده بصحيفة المدينة مقالاً بعنوان : البنوك و«رأس الديك»..! تحدث فيه عن نقطة مهمة جداً وهي أن العملية تبدأ بابتسامة ولطافة وجودة عالية في التعامل وما إن ينتهي الأمر بنجاح الخطوة الأولى واخذ المطلوب من العميل حتى تتغير المعادلة ليصبح العميل حينئذ بعيدا عن أي لطافة او جودة ما بعد البيع ، وفي ذات الصدد كتب الاستاذ القدير ابراهيم نسيب في زاويته همزة وصل بصحيفة المدينة عن مشاكل التمويل في البنوك التجارية وضعف خدمات ما بعد البيع في عدد ٢٢ ديسمبر الماضي مطالباً بإنصاف الناس منها ، ولعلي اضيف ما يصلني يوميا من بعض عملاء القطاع الخاص ممن يشكون مستوى الخدمة او الجودة او التأخير في تنفيذ متطلبات العميل كيفما يكون!

وهنا يتبادر الى الذهن سؤالاً هاماً : هل القطاع الخاص يحترم عملاءه حتى يُحترم ؟
وللإجابة على هذا السؤال فالحقيقة أنه من الصعوبة بمكان الإجابة نظرياً إذْ لابد من خوض غمار الدراسات والعلاقة الاتصالية التي نستنج منها التفسير الفعلي للواقع ومن ثم الخروج بقناعات وتوصيات اما للتعديل او التحسين وهذه يصعب تحقيقها في الوقت الحاضر لأنها تحتاج الى منظومة مرجعية تسهل من تدفق المعلومات الموحدة.

إن عمليات التقييم التي تقوم بها حالياً بعض منشآت القطاع الخاص مبرمجة آلياً هذا من زاوية اما من زاوية أخرى : هل هناك مراجعات لتلك التقييمات وتنفيذ مقترحاتها ؟ ام انها فقط مجرد ( استنساخ ) كمحتوى روتيني و مبرمج لم يتغير منذ سنوات ! ، صحيح ان القطاع الخاص هدفه الرئيس الربح أولاً وهذا حق مشروع ونحن داعمون له انفاقاً ومعنوياً بيد أن الربحية لن تتحقق طالما يُغيّب رضا العميل.

اعلم أننا قسونا فيما مضى على القطاع الخاص هذه القسوة لم تولد من رحم رفاهية المتابع للمشهد بل انها مخاض لأداء متعسر كان فيه القطاع الخاص يعتمد على ( البركة والتوظيف لمجرد تحقيق نسب التوطين ) مما يُنتج موظفين بلا مهام دقيقة ومحددة ومتابعة أداءهم بفعالية ، واذكر انني في الكثير من المناسبات والمقالات قد طالبت بتغيير فلسفة الأداء على نحو يخدم المنشأة والموظف والعميل وفق أسس إدارية وانتاجية ونماذج اعمال حديثة .

إن أي تحول مطلوب في الثقافة الاقتصادية الجديدة لأي متغير سيقابله مقاومة ، هذه المقاومة تتسم بكيفية فرض القناعات بجدارة مستحقة والقطاع الخاص في ظل غياب ثقافته الجديدة بهوية العمل المحترف من الصعب علينا ان نحكم على جودة خدماته الا بالتجربة والدراسة والتحليل ومن ثم التغيير الى الأفضل ، فالكل يرغب في الأداء الاجود ..

واضافة لذلك القطاع الخاص اليوم يعول عليه كثيرا في قيادة زمام الاقتصاد ونموه وتحوله الى قطاع إنتاجي وهو ما يتطلب مضاعفة الجهد لتحقيق الجودة والرضا فالمستهلك او المستفيد بات اليوم اكثر وعيًا وقرباً من جودة المنتجات والخدمات فقد تنامى الوعي باقترابه اكثر من شبكات التواصل الاجتماعي والبحث الدقيق عن معايير الجودة والخدمة ومقارناتها ، وعندما تأتي اجابة اي منشأة لتبرير غش ما او سوء خدمة فعلية فلن يقتنع بها المستهلك الا من واقع التجريب ، وهو ما يحتم على المنشأة العمل على تعزيز منتجاتها بالجودة وتحسين صورتها الذهنية بالمصداقة فعندما تُفقد الثقة فحينها ستحتاج الى جهد مضاعف لإعادتها او بناءها مجدداً ونتطلع من القطاع الخاص الى تعزيز قدراته وممكناته التي تتعلق بجودة الخدمة ومرونة الأداء وسرعتها ليواكب التطور الذي يشهده القطاع العام.

لا نريد ان يصل القطاع الخاص الى ادنى المراحل التي تتسبب في تعطيل مصالح العملاء نتيجة اللامبالاة من موظفيه او ضعف مهاراتهم او عدم وضوح في صلاحيتهم ناهيك عن الضعف في الأداء الرقمي الفعال ، واذا أراد القطاع الخاص المزيد من الاحترام عليه ان يكسب ثقة المستفيدين اولاً فالاحترام قيمة ومبادئ وصفات جميلة يتحلى بها البشر ذلك لأنها أساس التعامل مع الاخرين وانعكاس لأي علاقة مشتركة ناجحة وتقديرا لقيمة وتميز العمل المقدم .

مجمل القول :امنحوا القطاع الخاص مزيداً من الوقت لمراجعة أساليب الأداء ونماذجه المتعددة ومرونة خدماته واسهاماته المجتمعية وتفاعلوا مع كل عمليات التقييم فهو اليوم واحداً من أهم مكونات الاقتصاد الوطني وفي المقابل نطالب القطاع الخاص بعمل منظومة اداء لتطوير اساليب الجودة والعمل الجاد واحترام العميل والاقتراب منه اكثر ، وقد يكون من المناسب انشاء مركز خاص محايد يُعنى بجودة الخدمة الرقمية المقدمة من منشآت القطاع الخاص وفق معايير التقييم والتغذية الراجعة وتحسين الاتصال ومراجعة أداء الخدمات مع كل منشأة وصولاً الى أداء متميز مع دعم عمليات التحسين في الخدمات وتطويرها من خلال قياس دقيق لجودة الخدمات ورضا المستفيدين والرقابة والمتابعة كمنظومة متكاملة إضافة الى الدور الثقافي والتوعوي الذي يمكن ان يلعبه هذا المركز عبر وسائل الاعلام نحو تعزيز ثقافة وأهمية القطاع الخاص كي نؤسس لعمل مهني احترافي يقرب المسافة بين جودة الخدمة ومرونتها وسرعتها ومعالجة القصور .

كاتب ومحلل اقتصادي [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو