السبت 04 شعبان 1441 - 28 مارس 2020 - 08 الحمل 1399

بعد تحديد سعر السهم .. هل تركت «أرامكو» أموالا على الطاولة؟

د. عبدالرحمن بن نبيل الصالح

أعلنت شركة أرامكو السعودية يوم الخميس الموافق ٥ ديسمبر ٢٠١٩ تحديد سعر أسهم الاكتتاب بـ ٣٢ ريال سعودي؛ مُقيمة ‏الشركة بـ ١,٧ ترليون دولار أمريكي.  استطاعت أرامكو السعودية جمع ٢٥,٦ مليار دولار من الأفراد والمؤسسات؛ الأمر الذي ‏يجعل من اكتتابها الأكبر والأضخم في العالم.‏

تحديد السعر النهائي يعد من أصعب وأكثر المراحل حساسية بالنسبة للشركات التي تلجأ إلى الطرح العام الأولي؛ لكثرة العوامل ‏التي تؤثر على السعر؛ فكلما كانت الشركة أكبر، كلما كانت العوامل المؤثرة على سعر السهم (وقيمة الشركة) أكثر. ‏

يعد الطرح العام الأولي لأسهم أرامكو السعودية نقطة تحول في سوق المال السعودية. طرحٌ استثنائي شهِدنا معه تطبيق ‏ممارسات وقواعد لم يعهدها المستثمر والمضارب الفرد، كتحديد النطاق السعري وبناء سجل الأوامر بناءً على سعر لم يكن ‏النهائي. الأمر الذي يدعو إلى التساؤل ما إذا كانت الشركة قد تركت أموالاً للمكتتبين على الطاولة.‏

قد يتساءل البعض عما أقصده بترك أموال على الطاولة. ولا أجد للإجابة عن هذا السؤال أفضل من استعراض الطرح الأولي ‏لشركة مجموعة علي بابا (‏Alibaba Group‏) الصينية وشركة فيسبوك (‏Facebook‏) الأمريكية عندما طُرحتا للتداول في ‏بورصة نيويورك لأول مرة. فكما يُقال: بالمثال يتضح المقال. ‏

فيسبوك (‏Facebook‏)‏

في عام 2012، وقبل تداول أسهم الطرح الأولي لشركة فيسبوك. جاء تحديد السعر بـ ٣٨ دولاراً، وكان أكبر الاكتتابات في ‏مجال التكنولوجيا والإنترنت. في اليوم الأول للتداول، كان أداء السهم "مخيب للآمال" بالنسبة للمكتتبين؛ فما أن طُرق جرس ‏الإغلاق لذلك اليوم، إلا وسعر الإغلاق للسهم ٣٨.٢٣ دولاراً. ٢٣ سنت فقط على السعر النهائي لأسهم الطرح.‏

مجموعة علي بابا (‏Alibaba Group‏) ‏

بينما في عام ٢٠١٤ قررت شركة علي بابا الصينية إجراء الطرح العام الأولي لأسهمها في بورصة نيويورك. كان في وقتها ‏‏"الاكتتاب الأكبر في العالم" وظلت حاملة لهذا اللقب إلى أن انتزعته شركة أرامكو انتزاعاً بإعلانها تحديد السعر  النهائي لأسهم ‏الطرح. حددت شركة علي بابا سعر أسهمها بـ ٦٨ دولار أمريكي معتقدة أنه السعر الحقيقي الذي يعكس قيمة الشركة السوقية. في ‏اليوم الأول لتداول السهم كانت المفاجأة؛ وصل سعر تداولات السهم في أعلى مستوياتها عند ٩٩ دولار، وعند جرس الإغلاق ‏كان سعر السهم قد استقر عند ٩٣ دولار. بارتفاع ٢٥ دولار أو ما نسبته ٣٨٪؜.‏

اليوم الأول للتداول بمثابة يوم النتائج؛ يُكرم فيه المستشار المالي (أو يُهان). حيث يظهر مدى دقته في تحديد النطاق السعري ‏لأسهم الاكتتاب وسعرها النهائي دون إفراط (‏Overpricing‏) أو تفريط (‏Underpricing‏). ففي المثال الأول، كان تحديد ‏سعر أسهم الشركة يتميز بالدقة النسبية حيث تمكنت الشركة من الحصول على أكبر مبلغ ممكن عن طريق الاكتتاب، بينما تركت ‏المضاربين والمستثمرين في "خيبة أمل" حيث لم تترك الشركة إلا بضع سنتات على طاولتها. بينما في المثال الثاني كان بمقدور ‏خزينة شركة مجموعة علي بابا الحصول على مبالغ أكبر عن طريق الاكتتاب الأولي؛ ولكن نتيجة للتفريط من جانب المستشار ‏المالي بتحديد السعر النهائي بأقل من سعرها الحقيقي في السوق - أو ما يُعرف بـ ‏Underpricing‏ الأمر الذي أدى إلى أن ‏الشركة تركت على الطاولة أموالاً كان بمقدورها الحصول عليها لو حُدد السعر النهائي لأسهمها بسعر يعكس قيمتها الحقيقية. فإذا ‏كان السعر النهائي لأسهم الاكتتاب لا يعكس القيمة السوقية للشركة، فالمستثمر والمضارب سوف يتداول السهم في يومه الأول ‏حتى يصل به إلى مستويات تعكس قيمة الشركة بطبيعة الحال سيكون الفارق بين السعر النهائي لأسهم الاكتتاب وسعر الشركة ‏في السوق أموالاً من نصيب المكتتبين والمضاربين. ‏

وجود فارق إيجابي بين السعر النهائي لأسهم الاكتتاب وسعر التداول في اليوم الأول أمر محبذ؛ حيث تحرص الشركات على ‏تحديد السعر النهائي على نحو يسمح بتداول السهم في اليوم الأول بارتفاع لا يتجاوز ١٥٪؜ من سعر الاكتتاب من أجل مكافأة ‏المكتتبين الذين خاطروا وراهنوا على اكتتاب الشركة من جانب، والأثر الإيجابي على أداء السهم من جانب آخر. لكن بمجرد ‏تجاوز الفارق ١٥٪ قد يكون ذلك مؤشر أن الشركة لم تُقيم بالشكل الصحيح كما حدث لمجموعة علي بابا أو حتى شركة لينكدإن ‏LinkedIn‏ عندما تجاوز الفارق في اليوم الأول للتداول ١٠٧٪؜ (حيث كان السعر النهائي لأسهم الاكتتاب ٤٥ دولار ‏أمريكي، بينما وصل سعر السهم بنهاية اليوم الأول للتداول ٩٤.٢٥ دولار أمريكي).‏

وبذلك، فكل ما يُتداول ويُشاع عن اليوم الأول لتداول أسهم شركة أرامكو السعودية لا يتجاوز حد التنبؤات والتوقعات التي قد ‏تصيب أو تخيب؛ إذ أنه من الصعب الجزم بتصرفات المكتتبين بين مُبقي على أسهمه وبين بائعٍ يريد الخروج بأي هامش ربح من ‏جهة، وبين ردة فعل السوق وتعاطيها مع عوامل استثنائية كثيرة ترافق هذا الطرح. علاوة على ذلك، فقد حددت نسبة التذبذب ‏اليومية للسهم بـ ١٠٪. وهو النطاق المقبول للتغير في سعر أسهم الطرح. فما أن يُطرق جرس الإغلاق في يوم الأربعاء (اليوم ‏الأول لتداول الأسهم)، ستجد الإجابة على هذا التساؤل تنتظرنا، لنعرف ما إذا كانت الشركة تركت أموالاً على طاولتها للمكتتبين ‏أو لا. ‏


 

أستاذ القانون التجاري [email protected]

    مقالات سابقة

المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو