الثلاثاء 11 شوال 1441 - 02 يونيو 2020 - 12 الجوزاء 1399

طرح أسهم أرامكو ليس آخر المطاف!

د. جمال عبدالرحمن العقاد

كلمة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان – حفظه الله – بأن "كل عناصر النجاح موجودة لخلق شيء عظيم وكبير داخل السعودية" مترجمة في خطط رؤية المملكة 2030. بعد مرور ثلاث سنوات فقط على انطلاق الرؤية، نرى بداية تنفيذ خطة تجهيز أرامكو السعودية للمستقبل لتكون أكبر شركة عالمية طبيعية كما ينبغي أن تكون. 

في الثالث من شهر نوفمبر الحالي ومن خلال مؤتمر صحفي في مدينة الظهران، أعلن معالي الأستاذ ياسر الرميان – رئيس مجلس إدارة أرامكو السعودية – عزم الشركة على طرح جزء من أسهمها للاكتتاب في السوق السعودي. وتباعاً، أعلنت نشرة الإصدار – في التاسع من نوفمبر - والتي قدمت المعلومات التي يحتاجها المستثمر وكمية الأسهم التي ستطرح للمستثمرين الأفراد. أما نطاق سعر الاكتتاب للسهم فسيعرف في مرحلة لاحقة بعد تأسيس سجل بناء الأوامر كما صرح بذلك معالي الأستاذ الرميان.

والسؤال هنا: هل طرح وتداول جزء صغير من أسهم الشركة في السوق المحلي هو آخر المطاف لأرامكو السعودية؟

الإجابة بالطبع لا. أرامكو السعودية العملاقة والمبدعة – والتي تتحلى بأنظمة تحكم وجودة تشغيلية وإدارية ومالية راقية ويشهد لها الجميع – لم تعد مقفلة على نفسها. وتدخل مرحلة عمرية مختلفة تماماً وجديدة. أرامكو السعودية ستكون تحت المتابعة والمراقبة والمحاسبة الدقيقة وبكل شفافية. سوآءا على المستوى القيادي أو التخطيطي أو التشغيلي أو الربحي. وهذا يحتم إعادة تأهيلها تنظيمياً وثقافياً لكي تظهر بالهيئة القادرة على التوائم مع الوضع الجديد. فللاقتصاد الوطني، تعظيم القيمة النوعية والربحية الكمية مطالب لا تنازل عنها. وللشركة - كمنظومة تجارية مساهمة - ضمان حيويتها وديمومتها المستقبلية هي أيضاً مطالب لا تنازل عنها.

ما حصل منذ أيام سيتبعه سلسة من التطورات في مصلحة السوق وفتحه أمام سيولة نقدية مكدسة في يد المستثمر المحلي. وأيضاً إعطاء الفرصة لجذب استثمارات من الخارج. ليأخذ السوق والاقتصاد الوطني الى نطاق جديد يؤدي الى رفع أداء المؤشر السعودي وأهميته في المؤشرات العالمية مثل "ام اس سي أي" و "فوتسي راسل". مما سيسرع من تموضع السوق السعودي بين الأسواق العالمية كسوق ناشئ مليء بالفرص الاستثمارية الغنية. 

وأيضا سيسارع عملية طرح جزء إضافي من أسهم الشركة في الاسواق العالمية في أقرب فرصة. هذا التطور التعاقبي سيكون أكثر تحدياً للشركة. فالمستثمر العالمي (غالباً صناديق اطروحات أولية ومحافظ استثمارية كبرى) سيكون قاسي في عملية الفحص لأعمال الشركة قبل وبعد الاستثمار فيها. خاصة انه توجد توسعات رأسمالية للشركة في مشاريع جديدة. والاستحواذ على حصة في سابك مثال على ذلك.

لذلك، أرامكو السعودية أمامها سلسلة من التغييرات الجذرية في أسلوب تفكيرها وطريقة عملها. ربما تستوجب هذه التحديات النوعية الجديدة أن تقوم الشركة بتنفيذ برنامج إدارة تغيير (هيكلي وتشغيلي ومجتمعي). فعلى سبيل المثال، أمام الشركة تغيير موروثها الثقافي الداخلي الذي جاوز عمره الثمانين عام ليتقبل العمل القائم على مبادئ الربحية وليس التكاليف كما كان سابقاً. وأيضاً تثقيف عريض وعميق لمجتمعها بمعنى أسواق والمسئوليات الأدبية والقانونية تجاهها. أيضاً أمامها إعادة تأهيل كامل لإعلامها بما يؤمن قدرتها على التعاطي مع الواقع الجديد. 

الشركة أمامها مهمة كبرى أخرى في أن تتخلص من الكثير من خدماتها المساندة الغير أساسية. واخراجها في شكل شركات مساهمة جديدة تقدم هذه الخدمات بشكل ربحي أفضل. وتدرجها في سوق الأسهم السعودي لإثرائه. وذلك لتعظيم أرباحها لصالح المساهمين والاقتصاد الوطني في العموم.

كما أن الوصول للتقنيات المتقدمة جدا في صناعة النفط والغاز التي ستحتاجها الشركة في أعمالها مستقبلا مسألة في غاية الأهمية وتحتاج تداول بفكر غير تقليدي.  لأن المتوقع أن هذه التقنيات المتقدمة ربما لن تكون متاحة للبيع او الاستخدام المرخص كما كان في الماضي. ولكن ستكون متوفرة - غالباً - مقابل حصة في الأرباح. بل ربما تصل لمقابل حصة في ملكية الاستكشافات على سبيل المثال. وهذه مسألة مفصلية. 

هذا كله – كأمثلة - يستدعي المهمة الكبرى وهي تهيئة قيادة متنوعة الخبرات للشركة لمواجهة التحديات الجديدة. قيادة ذات فكر غير نمطي وريادي. فيها البُعد العلمي المتنوع العالي والمدعوم بالكفاءات المهنية المحترفة. في ذات الوقت فيها البُعد التجاري والاقتصادي والمالي المحترف والمتمرس. لتعمل على تعظيم القيمة النوعية والربحية الكمية. وقادرة على التعاطي والتعامل مع المراقب والسوق بشجاعة وشفافية. وليس مستبعد أن نرى تطعيم صَنفي لقيادة الشركة بدماء جديدة من خارجها لتضيف قيمة في هذا المضمار. تماماً كما نراه يحصل في كبريات الشركات العالمية عندما يتطلب مستقبلها ذلك.

الصندوق الأسود - كما أسماه عراب الرؤية سمو ولي العهد - فُتِح وكما وعد. وطرح أسهم الشركة ليس آخر المطاف. رؤية المملكة 2030 تعمل على تحضير أرامكو السعودية لكي تكون منظومة الطاقة العالمية الأولى دائماَ. والقادم أجمل بإذن الله.  


 

استشاري في تطوير المنظومات الاقتصادية وإدارة التغيير وإعادة تأهيل المشاريع المتعثرة [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

راجح ال الحارث السلام عليكم انا عملت عند مؤسسة بعقد محدد المده لمده سنه من...
سلام موضوع طويل، وكلام مشتت، وطريقة سرد اذهبت لمعة الموضوع....
معالي كنت اشتغل بشركة وتم إيقافي عن العمل بسبب الكورونا انا لست...
احمد ابوطالب أتمنى أن نجد من لديه القدرة على التوضيح !!! ، السعودي بأي...
غادة مقال معبر ويلامس الواقع الذي نعيشة يناشد افراد المجتمع...

الفيديو