الخميس 15 جمادى الثانية 1442 - 28 يناير 2021 - 08 الدلو 1399

الأبعاد الاقتصادية للإعلام الجديد 

م. رياض بن ناصر الفريجي

نعيش الآن مرحلة مختلفة تتمثل في ضعف مستمر لمؤسسات الإعلام التقليدية، وصعوبات كثيرة وتعثرات متعددة تواجهها أمام كم المتغيرات المتسارعة التي تعجزعن اللاحق بها، وقوة مستمرة ومتواصلة تزداد لمعاناً وجاذبية وبريقاً للإعلام الجديد بقوة الدعم التقني المبهرة والمتسارعة.

ومع اتساع نطاق ما يعرف بـ”اقتصاديات المعرفة” المتصلة بديناميات الإعلام الجديد والإبداع التكنولوجي، فقد أصبحت تقنيات تكنولوجيا المعلومات والفضاء الإلكتروني، محلاً لآليات السوق واقتصادياته، إذ إن طبيعة الإنترنت والمواقع الإلكترونية جعلت من محتوى مادة الإعلام الجديد والمواقع الإلكترونية مخرجات خاضعة لمنطق السلع المادية، مع سمات وخصائص مختلفة عن تلك السلع التقليدية؛ وخاصة بعدما تغيرت معادلة الصناعة الإعلامية وأطرافها واقتصادياتها المتنامية،  فها هي تتحول اليوم بالكامل لصالح لاعبين جدد إلى جانب هؤلاء المستخدمين أو المستفيدين الذين أصبحوا جزءًا من الصناعة في مكوناتها.

فمع اتساع نطاق تكنولوجيا الإعلام الجديد، سهلت الشبكة العنكبوتية ظهور كيانات وسيطة (أفراد أو مؤسسات) بأشكال متعددة، شكلت في مجملها قطاع الإعلام الجديد، ما بين صحف إلكترونية وتطبيقات إخبارية  News App، وهو ما أحدث طفرة كبيرة على مستوى الآليات التسويقية التي يستخدمها الإعلام الجديد.

فبداية ومنذ مرحلة إنتاج المواد الإعلامية، تقلصت التكلفة الحدية لإنتاج هذه المواد إلى مستوى الصفر، ومع ارتفاع استهلاك المادة الإعلامية لتكاليف الإنتاج، اقتصر الأمر على تكاليف النسخة الأولى مع وصول تكلفة النسخ التالية (مجرد تحميلها) إلى مستوى الصفر.

 ومع قابلية هذه المواد للإستنساخ، فإن ذلك لا يؤثر على جودة المنتج، ولا على تكلفته، فباتت هذه التطبيقات لاعبًا رئيسًا في خريطة الإعلام الجديد بنفوذه وحضوره وسطوته، وهو ما عزز بدوره منطق اقتصاديات الإعلام الجديد الذي يفترض وجود جماهير تتمتع بالإستقرار، ويسهل تحديدها، ويمكن التعامل بشأنها (بيعًا وشراءً)، بل أضحت الجماهير مجزأة بصورة متزايدة، بمقتضى تنوع مصادر وسائل الإعلام الحديثة المتاحة لهم، والتي يمكنهم من خلالها التعبير عن خياراتهم المتعلقة بمحتواها الإعلامي.

ومع انطلاق "اقتصاديات الوفرة" أو "الحجم" هذه والتي تتميز بها اقتصاديات الإعلام الجديد دون غيرها، أصبحت عملية إنتاج المادة الإعلامية لا تكلف شيئًا، فضلاً عن أن كل الأعباء والتكاليف تنفق قبل عملية الإنتاج بجانب ذلك، فكلما زاد الطلب على المنتج، زاد امتصاص التكاليف الثابتة، وكلما زادت المبيعات خفضت المؤسسة أسعار البيع، ومن ثَمَّ زيادة المبيعات فتتحقق الأرباح وتنعدم التكلفة.

هذا فضلاً عن مرونة الطلب على وسائل الإعلام الرقمية، نتيجة للتغيير في أذواق المستهلكين الذين أصبحوا أكثر إقبالاً على متابعة الإنترنت، ولاسيما بعدما ظهرت أزمة الثقة المثارة تجاه الوسائل التقليدية نتيجة تبعيتها لأصحاب المصالح والنفوذ التجاري من رجال الأعمال.

ولأسباب متعددة منها الاقتصادية والاجتماعية، أتوقع أن يؤثر كل ما سلف إيجابًا على زيادة الطلب على الإنتاج الرقمي في الفترة المقبلة لكونها أقل تكلفة على المستهلك.

أمَّا ما يتعلق بعمليات التوزيع، فإن الطفرة التي طرأت على الفضاء الواسع للشبكة العنكبوتية، ذات الطابع العولمي، جعلت هذا المحتوى متاحًا للمتلقي، بجانب ذلك ومع انخفاض الأسعار، نلحظ أنه حينما يتجه المنتجون إلى تخفيض الأسعار، تكون أول نسخة يتم انتاجها من الخدمة الإلكترونية مرتفعة مقارنة بالتكلفة الحدية المتناقصة مع كل نسخة إضافية يتم انتاجها، ونتيجة لذلك يتزايد العائد الإقتصادي مع الإنتاج الإضافي، لأنها أصول غير ملموسة لا تفنى باستهلاكها؛ وهو ما يسهم في زيادة حدة المنافسة التجارية بين وسائل الإعلام في الحصول على المزايا التكنولوجية من أجل التوسع أكثر من الأسواق وتحقيق الكثير من الأرباح.

وعلى الرغم من ذلك كله فإن الأبعاد الإقتصادية للإعلام الجديد وشركاته المنتجة -رغم كل ما تقدمه اليوم- لم تصل للهدف النهائي والنضوج التي تأمله بالرغم من الطلب الإستثماري على تلك الصناعة نظير عائدات مغرية متعددة... 
وهذا ما سنتعرف عليه في المقال القادم. 
 

اقتصاديات الإعلام .. مقاربة جديدة [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو