السبت 10 ربيع الثاني 1441 - 07 ديسمبر 2019 - 15 القوس 1398

السعر العادل أم السعر المُمَكِن للنفط؟

د. سامي بن عبدالعزيز النعيم

من المصطلحات التي شاع استخدامها مؤخّرا في الكثير من التقارير النفطية ونشرات أخبار الطاقة وفي الكثير من القنوات التلفزيونية والإذاعية والمختلف كثيرا على تعريفها هو مصطلح السعر العادل لبرميل البترول. فعندما تتحدث لأي خبير نفطي تجد أن تعريفه لهذا المصطلح الدخيل على علم اقتصاديات الطاقة مختلفا تماما عن تعريف غيره من الخبراء.

هناك من يعرف هذا المصطلح اعتمادا على تكلفة استخراج النفط من الحقول والذي يختلف من حقل الى آخر ومن شركة الى شركة أخرى ومن بلد الى بلد آخر اعتمادا على خاصيات مكامن هذا الحقل وتكاليف تطويره وإنتاجه ونقله وتصديره. فمثلا تكلفة إنتاج النفط الخفيف قليل الشوائب يختلف عن تكلفة إنتاج النفط الخفيف كثير الشوائب، ويختلف أيضا من حقل الى آخر اعتمادا على خاصيات صخور مكمن هذا الحقل وسهولة تطويره واستخراجه، فكلما تحسنت خاصيات صخور مكامن الحقل ارتفعت الإنتاجية وخفت التكلفة. كذلك تكلفة تطوير وإنتاج ومعالجة النفط الثقيل تختلف بشكل كبير عن تكلفة تطوير وإنتاج ومعالجة النفط الخفيف، كذلك تكلفة تطوير وإنتاج ومعالجة النفط من الحقول البحرية تختلف بشكل كبير عن تكلفة تطوير وإنتاج ومعالجة النفط من الحقول البرية، وتكلفة تطوير وإنتاج ومعالجة النفط من الحقول البحرية العميقة تختلف بشكل أكبر عن تكلفة تطوير وإنتاج ومعالجة النفط من الحقول البحرية الغير عميقة، وهكذا. 

وهناك من يعرف السعر العادل لبرميل البترول بالسعر الذي يساعد على توازن ميزانية الدولة المنتجة له، وهذا بحد ذاته يختلف من دولة إلي دولة أخرى اعتمادا على الكثير من العوامل مثل عدد سكان هذا البلد، وتكلفة المشاريع التنموية لكل بلد، ومدى اعتماد ميزانيات هذه الدول على عائدات النفط، والكثير من العوامل الأخرى. فنجد مثلا أن السعر العادل الذي يساعد على توازن ميزانيات دول أوبك التي تعتمد بشكل كبير جدا على عائدات النفط يختلف تماما عن السعر العادل الذي يساعد على توازن ميزانية دولة منتجة ومصدرة للنفط مثل النرويج والتي يمثل دخل النفط والغاز أقل من خمس الناتج المحلي الإجمالي GDP فقط. 

وهناك أيضا من يقارن سعر النفط بسعر بعض السلع ويحدد ما يعتقد أنه السعر العادل للنفط، وهذا أيضا يختلف من شخص الى آخر وليس له أساس وغير مقبول. فمثلا هناك من يقارن سعر النفط بسعر المياه المعبأة ويجد أن سعر المياه المعبأة قد يصل إلى سعر أعلى من سعر النفط. فمثلا برميل المياه المعبأة يحتوي على 160 لتر، ومعدل سعر اللتر تقريبا 2 ريال، يعني سعر برميل المياه المعبأة يساوي 320 ريال = 85 دولار، وهذا السعر أعلى من سعر برميل النفط الحالي الي يقدر ب 60 دولار تقريبا.

وهناك أيضا من يقول إنه لا يوجد سعر عادل للنفط بحيث يكون السعر العادل للنفط هو السعر الذي تحدده السوق النفطية المفتوحة اعتمادا على العرض والطلب. فمثلا السعر العادل يكون عاليا عندما يكون العرض أقل من الطلب، والعكس صحيح، وهنا يكون السعر العادل متحرك ويتغير من فترة الى أخرى اعتمادا على ظروف قد تكون تقنية وأخرى تكون تشغيلية أو جيوسياسية أو كلاهما. إذن ما هو التعريف الصحيح للسعر العادل للنفط؟ وهل هناك سعر عادل للنفط؟.

كنت وما زلت أعرف السعر العادل للنفط بالسعر الذي لا يضر بالاقتصاد العالمي والذي لا يمنع الدولة المنتجة والمصدرة له من النمو والتوسع في اقتصادها، والأهم من ذلك النمو والتوسع في قطاع النفط لاكتشاف حقول جديدة، ورفع قدرتها الإنتاجية، وتعويض المعدل السنوي الطبيعي لنضوب الحقول النفطية وانخفاض إنتاجها الذي قد يصل إلى 10% أو أكثر، وخفض تكلفة الإنتاج، ورفع مستوى السلامة والمسؤولية الاجتماعية والمسؤولية البيئية. هذه معادلة معقدة يجب توازنها من الجهتين. فعندما ينمو الاقتصاد العالمي الذي يعتمد على الطاقة كمحرك قوي له وخاصة النفط والغاز وتنمو وتتطور الدول المنتجة له، وتنمو كذلك الشركات النفطية لكي تتمكن من سد الاحتياجات المستقبلية لسوق الطاقة العالمية، سيكون هناك توازن في هذه المعادلة قد يساهم في وجود عدالة وربما استدامة في أسعار النفط مما يساعد الدول المنتجة على تحقيق أهدافها الوطنية وتحقيق طموحات شعوبها. 

الحقيقة أن تعريفي للسعر العادل للنفط معقد وطويل وقد يصعب على الإنسان الغير متخصص فهمه وذلك لارتباطه بعوامل عديدة قد تكون خارج سيطرة الدول المنتجة وأهمها العوامل الجيوسياسية والبيئية. لقد سعدت بالاستماع لوزير الطاقة السعودي صاحب السمو الملكي الأمير عبد العزيز بن سلمان في منتدى الرؤساء التنفيذيين السعودي والروسي في الرياض والذي طرح مصطلحا جديدا يختصر هذا التعريف المعقد بالسعر المُمَكِن الذي يعزز نمو الاقتصاد العالمي، ويمكن الدول المنتجة من إعداد ميزانياتها بطريقة أكثر سلاسة وشفافية، ويمكن صناعة النفط من الاستمرار في الاستثمار والنمو وتنمية قدراتها وطاقاتها الإنتاجية والتكريرية لسد الطلب المتزايد على النفط ومنتجاته المتعددة. الحقيقة انني بحثت عن الترجمة الإنجليزية للسعر المُمَكِن فلم أجد غير Enabler Price بدلا من السعر العادل Fair Price. 

فهل سيتم استبدال مصطلح السعر العادل لبرميل النفط بالسعر المُمَكِن؟ أترك الجواب على هذا السؤال للمهتمين والمختصين والأكاديميين في اقتصاديات الطاقة واقتصاديات النفط مع اعترافي بصعوبة تحقيق مبدأ التمكين والاستدامة في أسعار النفط. فالشيء الوحيد المستدام في أسعار النفط هو تذبذبها المستمر وتأثرها بالعوامل الخارجية والداخلية، مما يحتم على الدول المنتجة والمصدرة للنفط التعامل مع هذه التحديات في تطوير آلية جديدة وفعالة خلال وضع وموازنة ميزانياتها العامة وتخفيف اعتمادها على صادراتها النفطية، وهذا ما ستحققه رؤية المملكة العربية السعودية 2030 المباركة إن شاء الله.
 

رئيس جمعية مهندسي النفط العالمية لعام 2019م - www.spe.org [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو