الثلاثاء 16 ربيع الثاني 1442 - 01 ديسمبر 2020 - 10 القوس 1399

كيف ستنجح وزارة الصناعة والثروة المعدنية في توليد الوظائف؟

د. جمال عبدالرحمن العقاد

الأمر الملكي الكريم بفصل واستقلال الصناعة والثروة المعدنية عن وزارة الطاقة جاء لدعم الحِراك التصحيحي لرؤية المملكة 2030 في التعاطي مع تطلعاتها لأجل الوصول للمخرجات المخطط لها. ملف الصناعة - الذي سُخِّر له 35 مدينة صناعية متكاملة البنية التحتية وصندوق مالي هو الأضخم في تاريخ دعم المملكة للتنمية الصناعية - له قيمة استراتيجية وعلى كافة الأصعدة، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. 

فمن خلال الصناعة الوطنية نستطيع أن نتخلّص من الضغوطات بتعزيز أقوى لسياساتنا ودورنا المحوري إقليمياً وعالمياً. أيضاً نُرجّح الميزان التجاري لمصلحتنا من خلال رفع مؤشرات الحد من الاستيراد وزيادة الصادرات. وهذا بطبيعة الحال ينعكس ايجاباً على الناتج المحلي والمساهمة في تنويع مصادر الدخل.

كان التركيز في السابق على عدد المصانع بصرف النظر عن نسبة المواطنين العاملين فيها. لذلك كانت العمالة في أغلبها أجنبية ورخيصة التكلفة. ولكن اليوم التركيز على توطين وسعودة هذه الوظائف. والسؤال هنا هو كيف ستنجح وزارة الصناعة والثروة المعدنية الجديدة في ايجاد الوظائف لأبناء الوطن في قطاع الصناعة؟

الصناعة تحتاج لعدّة عوامل للنجاح. من أهمها تكاليف التشغيل المنخفضة. لذلك هناك تغييرات جذرية تحصل في مجالات وطبيعة الصناعات - وعلى مستوى العالم - من خلال توظيف تقنيات متطورة. ولا مفر من استخدامها بغرض التنافسية والاستدامة. 

هنا نقصد الأتمتة التي ستسيطر على أغلب مفاصل التصنيع في العالم كله. ومع تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتقنية "الروبوت" سنرى مصانع بدون تواجد بشري فيها أو تواجد في أضيق الحدود. وحتى في عمليات اتخاذ القرارات الإدارية والمالية فستطولها الأتمتة. مما يعني أن التقنية المتطورة لن تحد من عدد العمالة الفنية والهندسية فقط ولكن أيضاً عدد الاداريين وعلى كافة مستويات الهرم الإداري. 

وهنا تأتي الحقيقة المؤلمة وهي أن الصناعة – غالباً - لن تخلق وظائف في المستقبل كما كنا نعتقد. المعادلة معقدة. لن تبقى الصناعة إذا لم نحافظ على تنافسيتها، ولكن في نفس الوقت توليد الوظائف لأبناء الوطن مسألة لا تنازل عنها. 
لذلك، فإن مساندة الصناعة القائمة اليوم والصناعيين وتحفيزهم ليتطوروا - كما تقتضيه حاجتهم - مطلب استراتيجي. وهذا يعني أن يتعاطوا بحرية مع التغيرات الحاصلة في التقنية لأجل تعزيز تواجد منظومة صناعية وطنية متطورة ومنتجة ومنافسة للمنتج المستورد في أسواقنا المحلية. والقدرة على التواجد والمنافسة في الأسواق العالمية وجاذبة للاستثمار الأجنبي. وهذا لا يقوم على العمالة الرخيصة والعمل بالأسلوب التقليدي، ولكن على الكفاءة في الإنتاج والجودة وخفض التكاليف. مع الالتزام بوضع خطط جادة لزيادة العمالة الفنية الوطنية المؤهلة وان كان عددهم سيكون قليل في البداية.

أما موضوع خلق الوظائف الوطنية كماً، فيمكن التعامل مع هذا التحدي وفوراً من خلال التركيز على دعم حقيقي وسريع لمشاريع رُوّاد الصناعة الصغيرة والمتوسطة والخدمات الصناعية الخفيفة والمساندة للصناعات الكبرى من خلال سلسلة الامدادات للجهات العملاقة مثل أرامكو السعودية، سابك، القوات المسلحة، والموانئ البحرية والجوية. وأيضا المدن الصناعية والمصانع الكبيرة المتواجدة فيها.

المتوقع من الوزارة الجديدة ألا تسمح بوجود فكر تقليدي لا يتعاطى بجدية مع متطلبات التنافسية والاستدامة في الصناعة القائمة حالياً مما سبب ارباك في المشهد التطويري للصناعيين. وأيضاً لا يتعامل بجدية مع رُوّاد الصناعة والخدمات الصناعية الصغيرة والمتوسطة الذين من خلالهم نستطيع توليد الوظائف. ومهم أن تدرك الوزارة أن أمامها أكثر من تحدي مرتبط بملف توليد الوظائف بشكل مباشر أو غير مباشر. مثل تطوير التدريب المهني، تحسين مخرجات التعليم الصناعي لدعم الصناعة، كيفية دعم الصناعات التحويلية، وكيفية دعم الصناعات الخفيفة.

مواجهة تحدي توليد الوظائف والتحديات المرتبطة به من خلال تكرار مبادرات سابقة بأسماء مختلفة لن يجدي. المطلوب فكر ريادي نوعي وواقعي لخدمة أهداف الرؤية في الصناعة الوطنية. وبمعايير واضحة بغرض قياس نجاح المخرجات وتقويمها الدوري. 

استشاري في تطوير المنظومات الاقتصادية وإدارة التغيير وإعادة تأهيل المشاريع المتعثرة [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو