الخميس 11 ربيع الثاني 1442 - 26 نوفمبر 2020 - 05 القوس 1399

  فقاعات التصفية

علاء الدين براده

الكاتب (روجر ماك نامي) له قصة غريبة مع عملاق التقنية (فيسبوك). فهو قبل ثمان سنوات فقط كان يتحدث حول أهمية التواصل ويسوق لأفكار (مارك زكربرج) في هذا الاتجاه. بالإضافة لذلك فقد كان في فترة من عمره بمثابة الناصح الموجه لمارك.  كل هذا جميل جداَ ولا غبار عليه، لكن المدهش والغريب في الموضوع أنه قام مؤخرا بطرح كتاب نال صدىَ واسع، ينتقد فيه التمدد المفرط للشركة كونها أخذت التواصل إلى منحى آخر بعيد كل البعد عن مفهوم التقارب بين البشر. الكتاب الذي يحمل العنوان (zucked) يستعرض الكثير من الجوانب التي مرت بنا خلال وسائل الإعلام على أكثر من صعيد. ورغم أن بعضها لا يعنينا في هذا المقال إلا أنها تشكل تصور لكثير من جوانب العالم الافتراضي من حولنا ونأثيره على حياتنا. 

بحسب الكتاب فإن عوامل القوة التي نلاحظها اليوم في (فيسبوك) والناتجة عن الاستحواذ على المنافسين تذكرنا بقطاع الاتصالات في خمسينات القرن الماضي. في تلك الحقبة كانت قوة مشغل الهاتف AT&T تتصاعد بشكل مضطرد، وهو ما شكل خطر على المنافسة المستمرة التي تشكل وقود الابتكار. المفاجأة أن قطاع الاتصالات وقتها خرج من المأزق بشكل أكثر قوة من السابق وانعكست الإيجابية على جميع الأطراف فكيف حدث ذلك؟ 

من خلال التسوية بين الشركة والحكومة الأمريكية، اقتصرت أعمال AT&T على الهاتف الثابت وبدأت بالترخيص لبراءات الاختراع الخاصة بها ليتمكن الآخرون من استخدامها وبالتالي المساهمة في دعم عجلة التطور. استفادت الكثير من الشركات واستفاد الاقتصاد الأمريكي بشكل عام من خلال ولادة وادي السليكون الذي صاحب فك الاحتكار وكل ذلك لم يضر بالشركة بل استمر نجاحها بشكل جديد. تعزز هذه التجربة من موقف الكاتب الذي يدعو حاليا إلى تطبيق نفس المنطق اليوم على شركات مثل Facebook وGoogle وتشجيع المزيد من المنافسة.

الكتاب موجه نحو جمهور واسع، بما في ذلك آباء الأطفال المراهقين الذين قد لا يفهمون آلية تصميم منتجات تشجع المستخدمين على قضاء الأوقات على منصات التواصل، كما يكشف الكتاب كيف غيرت Facebook مفاهيم الخصوصية لدينا.

الانغماس في واقع افتراضي قد يبدأ بوضع علامة إعجاب على مشاركات الأصدقاء، يتبعها عملية معقدة من ترشيح وتصفية عمليات البحث التي نقوم بها من خلال خوارزميات تقدم لنا محتوى يرجح أن نعجب به. بالإضافة لذلك تجعلنا فقاعات التصفية هذه كما يطلق عليها الكاتب نعتقد أن كم المعلومات الهائل التي تصلنا كل يوم هي بمثابة قرار شخصي، في حين أنها مجرد نتيجة لخيارات يقدمها لنا الذكاء الاصطناعي. 

الجميل في الموضوع أن الكاتب لا يعتقد أن الأمر يتعلق بشركة وحدها، ولكنه مرتبط بثقافة متداولة في وادي السليكون نجحت لفترة طويلة من الزمن في إحداث تأثير مجتمعي لكنها الآن بحاجة للتجديد. وخلاصة القول إننا بحاجة لأنظمة وتشريعات تضبط الفورة المعلوماتية لتتحرك باتجاه صحيح يخدم البشر ويصب في المصلحة العامة، قبل أن يتحول التواصل إلى مجرد أداة تحقق إدمان ما تقدمه الآلة فيتكرر ما حدث سابقاَ من مخالفات بانتهاك لخصوصية العملاء مما يؤثر على سمعة التقنية وليس شركة واحدة فحسب.   
 

مستشار إدارة التغيير [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو