الأربعاء 21 رجب 1440 - 27 مارس 2019 - 06 الحمل 1398

الاقتصاد الاستهلاكي لا يحقق تنمية

عبدالخالق بن علي

المجتمع الاستهلاكي مجتمع مرهق للتنمية، ويزداد الأمر سوءا في الاقتصادات الريعية كاقتصاد المملكة. فلهث ذلك المجتمع خلف الاستهلاك يستنزف مدخراته، ما يعني ضعف قدراته على الاستثمار خصوصا في ضروريات الحياة مثل السكن، ثم إنه يفقده الرغبة في الإنتاج والعمل. كل ذلك يضغط على الحكومات وميزانيات الدول، وتحرص الحكومات على التخفيف من ذلك السلوك الاستهلاكي في المجتمع لتحسين كفاءة الميزانيات ودعم التنمية. 

الغريب عندنا أن تصبح المؤسسات الحكومية هي المندفعة للإنفاق الاستهلاكي والداعمة له، وتحديدا هيئتي الترفيه والرياضة اللتان تنفقان نفقات استهلاكيه هائلة لا يظهر لها أي جدوى اقتصادية لا قريبة ولا بعيدة.  

فما الجدوى الاقتصادية من احضار مصارعين وممثلين ومطربين وموسيقيين وسيرك ومشاهير وحتى ثيران بمئات الملايين من الريالات لتقديم نشاط لفترة محدودة ثم المغادرة بأرباح ما كانوا ليحلموا بها دون ترك أي أثر اقتصادي يستحق كل ما أنفق في سبيل احضارهم.

البرامج والأنشطة بتلك الطريقة لا يمكنها أن تؤسس لصناعة أو أنشطة أو بنية تحتية تخدم تلك المجالات، بل ومن المستحيل نقل بعض تلك الأنشطة للمملكة كالمصارعة البشرية ومصارعة الثيران وغيرها. فهل نحلم بنقل نشاط يكاد يندثر في بلده الأساسي تحت ضغوط اقتصادية واجتماعية ودولية؟ واقصد هنا مصارعة الثيران.

أولا تلك الأنشطة بالطريقة التي تنفذ بها ليست من مسؤوليات الحكومة بل من مهام واستثمارات القطاع الخاص، ودور الحكومة ينحصر في التنظيم والاشراف. فإن كانت مربحة فمن الأفضل أن يقوم بها القطاع الخاص ويستثمر فيها، وإن لم تكن مربحة فليس من الحكمة إنفاق الملايين من الميزانية الحكومية على نشاط لا عائد منه، وليس من الضروريات ولا يخدم نشاط محلي خاص.
ثانيا إذا كانت الحكومة تسعى إلى تأسيس استثمارات طويلة الأجل في مجال معين فلن يتم ذلك من خلال نفقات استهلاكية على نشاط مؤقت في ذلك المجال، بل من خلال استثمار في البنية التحتية المادية والعلمية والتنظيمية، وإعطاء الاستثمار وقته الكافي حتى يؤتي أكله. 

ثالثا تلك النفقات الاستهلاكية الهائلة لا تحقق الحد الأدنى من التوظيف للشباب السعودي، فكل المشغلين والأدوات والخدمات الضرورية لتنفيذ النشاط يتم استقدامها من الخارج، والوظائف التي يحصل عليها السعوديون فيها محدودة ومعظمها في المستويات الدنيا. ولا أظن توظيف السعوديين فيها يمثل أكثر من 5٪ من التكلفة الإجمالية للنشاط. 

رابعا الادعاء بأن احضار تلك الفعاليات للمملكة يقلل من سفر السعوديين للخارج وبالتالي خفض  النفقات الاستهلاكية على السفر ادعاء غير صحيح. فمن يذهبون للخارج لا يذهبون من أجل تلك النشاطات بل من أجل الأجواء والطبيعة وغيرها، ومعظم تلك الأنشطة لا تقام في الصيف وقت سفر السعوديين. ثم إن الإنفاق الاستهلاكي الداخلي على تلك الأنشطة أكبر بكثير من الإنفاق الخارجي، ويستنزف الناتج القومي من خلال الانفاق الحكومي الضخم أولا ثم من خلال إنفاق المجتمع الأسري ثانيا. والنفقات في كلا الجانبين الحكومي والأسري يستنزف المدخرات التي يفترض انفاقها في مجالات استثمارية أهم. 

أعتقد أننا بحاجة للتروي في هذا الجانب والتأسيس لاستثمارات عميقة منتقاة بعناية، في مجالات يمكن توطينها أولا وتتناسب مع ثقافتنا ثانيا وأن تكون ذات عوائد مجدية اقتصاديا ثالثا. 
 

[email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

أضافه د. محمد الفارس في 03/05/2019 - 09:24

مقال في الصميم فالاستهلاك تعدى ضرره إلى الجواتب التربوية والاجتماعية والتعليمية فضلا عن أضراره الاقتصادية

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • يتم التعرف على السطور والفقرات تلقائيا. وسم فصل السطر <br />، و وسم بداية الفقرة <p>، و وسم إغلاق الفقرة </p> تضاف تلقائيا. إذا لم تعرف الفقرات تلقائيا، أضف سطرين فارغين بينها.