الاثنين 12 جمادى الثانية 1442 - 25 يناير 2021 - 05 الدلو 1399

تضخم البطالة صدمة معرفية

عبدالخالق بن علي

كانت إعلانات الوظائف تملأ الصحف السعودية، وكانت الشروط أقرب للتعجيزية بالنسبة للشباب السعودي بدءا بالتخصص وانتهاء بالخبرة العملية، والشرط الأخير إقامة قابلة للتحويل (لغير السعوديين) لأن المعلنون متأكدون أن تلك الشروط لن تنطبق على معظم بل كل السعوديين المتعطلين. 

بعد العام 2005 أخذ الأمر في التغير التدريجي؛ نتيجة التوسع في التخصصات المطلوبة لسوق العمل في الجامعات السعودية، وافتتاح جامعات جديدة في جميع مناطق المملكة، والأهم برامج الابتعاث التي بدأت ببرنامج الملك عبدالله رحمه الله. كل ذلك أدى إلى نشأة جيل من الشباب السعودي المتعلم بكفاءة عالية جدا تفوق في بعض الحالات ما يحتاجه السوق وتتفوق غالبا على العمالة غير السعودية، وبأعداد أكبر من طاقة القطاع العام على استيعابها.

أصيب سوق العمل بصدمة معرفية شديدة نتج عنها عدة أمور أدت مجتمعة إلى أزمة في التوظيف وبالتالي تزايد البطالة. وتلك الأمور التي نتجت عن الصدمة المعرفية لسوق العمل هي: 
أولا إبطال حجج القطاع الخاص في عدم وجود المتخصصين لشغل الوظائف المطلوبة، ففي كل المجالات يوجد المتخصصون، مع إتقانهم للغة الإنجليزية التي كانت إحدى العوائق أمام توظيف السعوديين. 

ثانيا نتيجة للسبب السابق وقع القطاع الخاص في معضلة عدم الرغبة في توظيف السعودي لعدة أسباب في مقدمتها الأجر المرتفع برأيهم والذي يفوق قدرتهم، وعدم القدرة على الرفض لتوافر شروط القبول؛ لذلك ظهر توظيف شكلي للسعودي مع بقاء غير السعودي، اعتمادا على دعم صندوق الموارد البشرية. كما فرضت الشركات أجور متدنية جدا لا تناسب قدرات وظروف الشباب السعودي. بل وفرضت ظروف عمل طاردة، في مقدمتها وضع السعوديين تحت إدارة غير السعوديين الأقل كفاءة في حالات كثيرة. 

ثالثا عجز النسبة الأكبر من القطاع الخاص عن توظيف كثير من السعوديين لعدم وجود وظائف تناسب تخصصاتهم الدقيقة والعالية الجودة، في مختلف المجالات. وهذه المشكلة تحديدا ليس للقطاع الخاص فيها دور مباشر، لأنها أعلى من طاقته التقنية والمادية.

في الجانب الأخر الشباب وقع في نفس الفخ؛ إما القبول بوظائف لا تناسب تخصصاتهم وطموحاتهم وبأجور متدنية، أو البقاء عاطلين بدون دخل. وكثير من الشباب كان يفضل البقاء بدون عمل محدد على القبول بعمل أدنى من طموحه. لذلك رأينا منهم من عمل في عربات بيع الطعام. 

من الشباب -وهم كثر- من وجد مخرجا من بين المطرقة والسندان بالعمل في الخارج، وتحديدا في الدول التي درسوا بها، خصوصا في التخصصات الطبية. وهذا موضوع أخر ضخم سوف اتطرق له في مقال منفصل (بإذن الله).

أخيرا الحلول التي اعتمدتها الحكومة زادت الطين بله. حيث جعلت هدف الإحلال في الوظائف الأكثر شغلا بغير السعوديين أساس برامجها العلاجية، كوظائف التسويق وخدمة العملاء. وتلك الوظائف مغرية فعلا لسهولة الإحلال فيها ولكثرة عدد من يمكن أن يشغلها من السعوديين؛ إلا أنها تعاني من مشاكل جوهرية تجعل الاعتماد عليها في حل مشكلة البطالة وهم. فهي تقع في قاع السلم الوظيفي تماما، وأجورها متدنية، ولا تناسب تخصصات النسبة الساحقة من طالبي العمل، ومعظمها بلا مستقبل وظيفي يمكن الاعتماد عليه.

وحتى الاتفاقات التي أعلنت عنها وزارة العمل لتوظيف بعض أصحاب التخصصات الدقيقة كالطب والهندسة لم نرى لها حتى الأن أي نتائج ملموسة. والأهم أن كثير من التخصصات الأخرى التي لا ينظر لها كالمحاسبة والاقتصاد والقانون والإدارة المالية والحاسب وغيرها، كل تلك التخصصات تعامل على أنها تخصصات نظرية يمكن توظيف أصحابها في أي مكان، وليست تخصصات دقيقة يجب معاملتها كما تعامل التخصصات الهندسية والطبية. 

الصدمة المعرفية التي أصابت سوق العمل لا يتحمل القطاع الخاص عبئها بمفرده، لأن الحلول تتطلب إعادة هيكلة الاقتصاد بالكامل، والحلول المعتمدة على دعم الراتب والتدريب لا تجدي. فما الفائدة من تدريب شاب للعمل في مهنة لا تناسب تخصصه ولا رغبته، ولا توفر له الحد الأدنى من الأجر، ولا تعطيه الأمل في مستقبل أفضل. 

بداية الحل تأتي من ضرورة إحلال المتخصصين في الوظائف الموجودة والمشغولة بغير السعوديين في غضون سنتين كحد أقصى، ثم الإسراع بتنفيذ برامج رؤية 2030 لنقل الاقتصاد إلى اقتصاد قادر على خلق وظائف متخصصة في جميع المجالات. 
التأخر في إحلال السعوديين تسبب في الصدمة المعرفية التي يعاني منها الاقتصاد الأن، ومزيد من التأخير يعني تفاقم المشكلة وتحولها لكارثة. 

من المتوقع أن يسبب الإحلال نوعا من التباطؤ حتى يتمكن الاقتصاد من امتصاص الصدمة المعرفية، التي ستؤدي إلى رفع الأجور في بعض القطاعات، لكنه بعد ذلك سوف يعود إلى النمو المتسارع وبنسب مرتفعة لسببين: أولا لارتفاع كفاءة العمالة في السوق  من السعوديين أولا ثم الوافدين نتيجة ارتفاع الأجور، وثانيا لعودة معظم النفقات على الرواتب والأجور إلى الاقتصاد مرة أخرى وعدم خروجها إلى الخارج كما يحدث الأن.  
 

[email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو