الثلاثاء 17 رمضان 1440 - 21 مايو 2019 - 30 الثور 1398

الثروات العائلية .. إلى أين ؟

د . عبد المحسن بن محمد المحرج

تتأثر البيئات الاقتصادية بعوامل مختلفة ، ومما يُذكر في هذا الباب تأثرها بطبيعة مجتمعاتها ، فالاقتصاد ليس بمعزل عن تركيبة المجتمع وثقافته ، ويبرز في المجتمعات العربية الترابط الأسري –ولله الحمد- ، ويمتد أثر هذا الترابط إلى مختلف الأنشطة ومن أظهرها : النشاط التجاري ، فتكونت ثروات عائلية ، قادها مؤسسون من الأسرة إلى تحقيق نجاحات كتبت لهم رقماً في قوائم أثرياء العالم .

إن طبيعة الإنسان الحرص على سلامة جهده وتنميته وتجنيبه الأخطار ، ويظهر هذا لدى الجيل الأول من المؤسسين للثروات العائلية ، وفي بعض الحالات يتبعهم الكبار من الذرية ممن أدرك عناء المؤسس وكفاحه ، ولذا تجد في وصايا بعض رجال الأعمال اللغة الحادة في تحذير ورثته من بث الخلاف وزرع الفرقة التي توغر الصدور وتوصلهم لبعثرة ما جمعه لهم ، فكبار السن يدركون أهمية الاجتماع وأثره .

لكن هل كل مريدٍ مدرك لمراده ؟ وهل استعمال الوعظ كافٍ في ضبط تصرفات الورثة ؟

الجواب : لا .

فواقع المحاكم دليل بيّن بأن مجرد الوعظ لم يحمي الورثة من الخلاف  ! ، والمؤسف أن غالب هذه النزاعات تؤثر سلباً على تقييم التركة ؛ لأن الولوج من باب المحكمة يجبر الورثة على القيام بسلسة من الإجراءات التي تأكل وقتهم ، وهذا أمر يدركه التجار الذين ينوون الدخول في المزايدات على التركات ، لأنه سيرصد المال زمناً ، ورصده المال له أثره على القيمة التي سيتقدم بها ، وتزيد المسألة تعقيداً إذا كان من بين الورثة (قُصّر) .

وهنا وقفة جادة أنصح من خلالها المؤسسين للثروات العائلية ، بأن يقدموا المصلحة على المجاملة ، والعزم على التردد ! ، وهذا يكون بسماعهم لنصيحة المختصين والممارسين في تنظيم الشركات ، و تطبيق الحوكمة بات ضرورة لا ترفاً  للشركات المتوسطة والكبيرة ، وندرك أهميتها من آثارها ، ومن زيادة المواد الملزمة بها في نظام الشركات ولائحة الحوكمة الصادرة من هيئة السوق المالية .

كانت التجارة في وقت مضى تقبل المرونة القائمة على يسر الحياة وبدائية الإمكانات ، بيد أنه مع تقدم الوقت اختلف الأمر ، وصارت الشركات العائلية التي لا تحرص على تطبيق الحوكمة معرضة للمشكلات ، التي من أبرزها تدخل الملاك في إدارتها ، وتعارض المصالح ، وغياب الشفافية ، ولا شك أن هذه البيئة طاردة ، فالمستثمر الحريص لا يمكن أن يساهم في شركة هذا حالها ، وفي جهة أخرى ، نجد شركات في السوق السعودي بادرت بتطبيق معايير الحوكمة  ، وأنشأت إدارات للالتزام في وقت مبكر ، مستشعرين أهمية ذلك على ديمومة شركاتهم ، و أثرها على رغبة المستثمرين المحليين والأجانب .

وأختم هذا المقال بالدلالة على جهد مميز قامت به وزارة التجارة والاستثمار ؛ بإصدارها ميثاقاً استرشادياً أسمته (الميثاق الاسترشادي للشركات العائلية السعودية) 1439هـ ، المنشور في موقعها الرسمي ، الذي جاء بناء على إدراك أهمية تأثير الشركات العائلية في الاقتصاد ، وجاء أيضاً من تلمس أوجه الخلل والقصور في هذا النوع من الشركات ،  وهو إسهام مشكور من وزارة التجارة والاستثمار في تخصصها ، ويجب أن تتضافر الجهود (تشريعياً وإجرائياً ووقائياً) لحماية هذه الثروات ؛ لتأثيرها على عشرات الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها .

محامي ومستشار قانوني [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

أبو فارس السوق متعب ويحتاج صبر وعدم الشراء فى القمم حتى لا يتم...
احمد انا نقلت كفاله علي شركة وفي خلال اقل من شهر الشركة ادعت...
فهد بن عبدالعزيز استاذ مازن كلامكم في محله ولكن من تجربه وخبرة في مجال...
عبدالله علي الغفيص اخي الكريم شكرا جزيلا لوقتكم واهتمامكم وتشرفني بملاحظاتك في...
ايهاب الزهارنة نحب السعودين انا مولود فيها وتجنست ب كندا ولاكن اعشق هذا...