الخميس 18 ربيع الثاني 1442 - 03 ديسمبر 2020 - 12 القوس 1399

قصتي مع الشريك المضطرب بثنائي القطب!

مفرح الشهري

‎قبل أكثر من عشر سنوات، استثمرت مع شريك مضطرب بمرض يعرّفه أطباء علم النفس بثنائي القطب، وهو اضطراب شديد وتقلب حاد بين المزاج العالي والكآبة، في شركة تملك موقف سوقي قوي في قطاع التجزئة، ولديها سجل نمو مستدام لأكثر من عقدين بقيادة إدارة محترفة ومتمكنة. في أواخر العام 2008، حدثت أزمة الرهون العقارية المعروفة، وهزت الاقتصاد الأمريكي والعالمي، وهنا أصيب الشريك بإحباط وكآبة شديدة، حيث اقترح سعر بيع بخصم أكثر من 40%! تجاهلت هذا العرض، لأن الشركة تملك ميزة تنافسية مستدامة والأغلب أنها ستتجاوز تلك الأزمة.

وبالفعل كان الأداء مذهل في السنوات اللاحقة، وبعد ست سنوات، وصل الشريك قمة الهوس بعد أداء الشركة القوي، وعرض ستة أضعاف السعر الذي عرضه عند تشائمه بعد الأزمة العالمية! وكان يعطيني الخيار في كل مرة إما البيع أو الشراء، تجاهلته للمرة الثانية. بعد أقل من سنة هبطت أسعار البترول إلى مستويات متدنية، ودخل الاقتصاد السعودي في مرحلة انكماش، وتحول الشريك إلى شخص مكتئب ومتشائم، وعرض هذه المرة سعر أقل بنسبة 60% من السعر الأخير! هنا فهمت أن هذا الخلل السلوكي لن يستقيم عنده، وقررت الشراء منه بهذا الخصم. تجاوزت الشركة الأزمة مرة أخرى بأداء قوي، وعاد الشريك إلى قمة التفاؤل مع الأداء وعرض أن يشتري مني بسعر ضعفين السعر الذي اشتريته منه قبل سنتين!

‎هذه ليست قصة خيالية، والأغرب أنها ليست قصتي وحدي! بل هي قصة كل مستثمر في شركة جرير المدرجة في السوق السعودي خلال العشر سنوات الماضية، بالعودة إلى تذبذب أسعار السهم بقوة عند الأزمات وأوقات الطفرة. أمّا توصيف المرض، فيعود إلى فرضية تخيلية قدمها المستثمر والأكاديمي بنجامين قراهام وسماها "السيد سوق"، حيث شبه السلوك الجمعي لسوق الأسهم بالشخص المضطرب بثنائي القطب، لتبسيط فكرة التذبذب العالي في أسواق المال. هذه الفرضية تجعل التذبذب العالي ميزة للمستثمر وليس عنصر مخاطرة كما تقدمه بعض نظريات الإستثمار، التي تعتبره مؤشر يقيس مخاطر السوق ويدخل حتى في تسعير الأسهم!

‎السؤال المهم، لماذا يتصرّف المتداولين بهذا ‎التقلب المزاجي الحاد، بالرغم من التطور المعرفي والتقني، الذي يفترض أن يجعل الاستثمار عملية عقلانية؟
الجواب لدى النظرية السلوكية التي أصبحت تأخذ حيّز أكاديمي في أفضل الجامعات العالمية المتخصصة في الإدارة المالية، وأتمنى ان نرى هذا الاهتمام في جامعاتنا بإضافة مقررات تدرس التمويل السلوكي behavioral finance لطلابها. 
هناك تفسيرات عديدة لتلك السلوكيات المضطربة لمتداولي أسواق الأسهم، ولكن أبرزها تتمحور حول ثلاثة معوقات:

‎الأول: هوس البحث عن الثراء السريع، فبالرغم من كل التحذيرات من مواقع الاحتيال التي تسوق الثراء السريع، إلا أن هناك ضحايا في كل مرة، لماذا؟ لأن وهم الثراء السريع هو في حقيقته مشكلة سلوكية متجذرة في النفس البشرية، ولذلك هم مستعدون للمغامرة في كل مرة. المشكلة الحقيقية أن بناء الثروات يحتاج الوقت، لأنه سنة كونية يحتاجها البشر والحيوان والنبات في عملية النمو والنضج، وهذا الهوس المستمر في البحث عن الثراء السريع يلغي مفعول تلك القوة الكونية.

‎الثاني: الخوف من المجهول، حيث يعتبر المجهول أكبر مصدر هدر للطاقة عند البشر ويستنزف الذهن جهد كبير في محاولة تقديم تفسيرات أو تطمينات حول المستقبل. لذلك يلجأ العقل إلى حيل عديدة تدعوا للاطمئنان، فيجعل الممكن مؤكد والمحتمل مستحيل، دون تمحيص للأسباب، بل يكتفي بمقارنات غير منطقية، حتى يفرط في التأكيد. وهذا الافراط ينتج عنه تحول معاكس بنفس القوة في حال ظهور نتائج مفاجئة، مما يسبب ردة فعل أقوى من النتيجة الحقيقية. ولهذا نشاهد في حال الركود أسعار رخيصة جدا، وفي حال التفاؤل أسعار متضخمة جدا أيضا.

‎الثالث: تجاهل الأخطاء، وهذا يحفزه جانب الغرور البشري، فلا أحد يحب أن يكون في وضع الشخص المخطيء! ولو أمام نفسه. من السهل نظرياً القول بأن الخطأ أمر طبيعي ويجب تصحيحه وعدم تكراره، لكن واقعياً العملية مؤلمة، بالذات أن الخطأ في عالم الاستثمار له ثمن باهظ لأنه من مدخرات عزيزة على النفس أو ديون عواقبها قاسية. لذلك يستمر المتداولين بتكرار أخطائهم دون رصد محايد ومحاسبة دقيقة وصادقة لها. وهو ما يجعل السلوكيات الخاطئة نمط تداول متكرر في أسواق المال.

‎تلك المعوقات السلوكية تجعل الاستثمار انضباط سلوكي في المقام الأول، بمعنى أن الاستثمار ليس ما تعرف، بل هو كيف تتصرف مع ما تعرف!
‎وهذا الجانب الصعب الذي يجعل المستفيدين من أسواق الأسهم عدد قليل، والأغلبية تشكل سلوك "السيد سوق" المضطرب. 

‎إذا هذبت الجانب السلوكي، واستوعبت أن عملية تسعير الشركات على المدى القصير تتأثر بسلوكيات السيد سوق، ولكنها على المدى الطويل ترضخ لنتائج أداء الشركة، ستدرك أن السيد سوق "الشريك المضطرب" في حقيقة الأمر هو من سيحقق لك ثروة مستدامة، حيث سيعطيك نسبة خصم عالية لشركات قوية، ويكافئك بهامش ربح سخي على صبرك، فلا تعاديه لأنه لا يجبرك على اتخاذ قراراتك ولا تقلق منه فهو ليس عنصر خطر كما تصنفه أغلب نظريات الاستثمار.
 

متخصص في الاستثمار Mufarre7 @ المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو