الخميس 08 جمادى الثانية 1442 - 21 يناير 2021 - 01 الدلو 1399

زكاة برنامج الإبتعاث!

د.ياسر عبدالله النفيسة

الابتعاث رحلة تبدأ مع أهم مراحلها وأقوى راكائزها وهي مرحلة تعلم اللغة لذلك البلد المبعوث له ذلك المواطن لنهل العلم وتعلم التجربة تطويرا له وللمجتمع من بعد ذلك الذي سيعود إليه. وأعتقد أن اللغة هي مفتاح العلوم والقارب الذي يستطيع به المتعلم الإبحار في عوالم جديدة واستكشاف آفاق أخرى غريبة ومتطورة وقد تكون حديثة. قدرنا اليوم في هذا العالم كمتحدثين للغة العربية أن كثيرا من العلوم الحديثة تحتاج منا تعلم لغات عدة انتصرت اليوم في مجال العلوم الحديثة والتقنية المتقدمة. بلا شك أن لبرنامج الإبتعاث الإيجابيات الكثيرة حيث عاد عددٌ ليس بيسير من الدارسين في الخارج إلى بلادهم محملين بغنائم الخبرات الجديدة و التجارب الحديثة والمعرفة المتجددة. و بالرغم من كل ذلك إلا أنني أعتقد أن برنامج الإبتعاث لم يقدم زكاته بعد!

لا أعتقد على مر العصور أن مهمة الإبتعاث كانت مميزة في شيء إلا بنقل التجارب (الخبرات) و تطوير العلوم والمعرفة من خلال اؤلئك المبعوثين. سأنظر هنا إلى تجربة مميزة لأحد منتجات برنامج الإبتعاث، وهو شاب كان مبتعثا تعلم اللغة الانجليزية والتي تعتبر من أكثر اللغات تاثيرا اليوم في وسط الأعمال والوسط العلمي او الاكاديمي، جند حساباته في برامج التواصل الاجتماعي على ترجمة المفيد والإيجابي من حوارات شخصيات ملهمة في الوسط الغربي أو الوسط المتحدث باللغة الإنجليزية. تجربته كانت ناجحة والعديد من المتابعين مثقفهم وخلافه إنبهر بذلك وأحب ذلك المنهج وباتت منتجاته في الترجمة ذات إنتشارٍ واسع وقبولٍ كبير.

وفي نفس الطريق مثلا وفي المجال الذي يلقى إهتمامي، فازت الهيئة السعودية للمحاسبين القانونيين بالترجمة المعتمدة للمعايير الدولية من قبل مجلس المعايير الدولية للمحاسبة وهو الحقيقة أمر يدعوا للزهو والفخر. فأنا أذكر مثلا حين قال لي يوما أحد الممارسين لمهنة المحاسبة والذي عمل في أكثر من دولة حول العالم وكان من ضمنها أحد دول الخليج العربي، انهم إذا إحتاجوا خلال عملهم المهني لترجمة المصطلحات المهنية أو الحصول على شروحات عربية لبعض المفاهيم المحاسبية كانوا يلجأون الى التجربة السعودية وهذا بلا شك جعلني أشعر بعظم الأمر وجماله وفخره وكيف أن ذلك لا يجعلك متأخرا وأنما متقدما لدرجة أن تكون القائد في المجال.

بعد أن أطلعنا على التجارب المميزة دعوني أن أقول للأسف هذا ليس هو الواقع او الصورة الغالبة لنتيجة برنامج الإبتعاث. فللأسف بدلا من أن نقوم بنقل العلوم والمعرفة والتجارب لتصبح داعمة لمنتجاتنا الوطنية و العربية و مطورة لجودة الانتاج العربي، أصبح الحل لدى كثير ممن عاد منتشيا بلغة جديدة تعلمها و تجربة حديثة حصل عليها هي من خلال محاولة إسقاط تلك التجربة بشكلها ومضمونها وماهيتها نفسها دون أي محاولة لأن يكون للغة العربية والهوية الوطنية دور فيما يراد نقله وتقديمه.

ستجد من حولك العديد من العائدين من الدراسات خارج الوطن وقد احتلوا العديد من المراكز الهامة او حتى الوظائف البسيطة وقد قاموا بمحاولة لنقل ما تعلموه ودرسوه ولكنهم نادرا ما يحاولون الإنتاج والنقل المتصرف به بما يتناسب او يخدم اللغة العربية والهوية الوطنية. المزايدة على أهمية تعليم اللغة الاجنبية (مثلا اللغة الانجليزية) أعتقد أنه أمر استفاض النقاش فيه ومتفق على أهميته وضرورته لكن لا نريد أسهل الحلول والذي تكون نهايته بمرور الزمن خسارة كبيرة للغة العربية وللهوية الوطنية. فهذا يقول لماذا نحاول الموائمة والترجمة والنقل ودعم المجال العربي بتلك التجارب والعلوم؟ فلنقم بنقل التجربة كما هي، فلنتبنى البرنامج كما هو بلغته لأن اللغة الانجليزية ايسر مثلا للتعبير عن ذلك المفهوم او أوضح لتعريف ذلك المنهج!!

كل هذا نسمعه ونراه في واقعنا العملي والعلمي، فبدلا من تعزيز الخطط الدراسية الجامعية بمقررات ومؤلفات عربية حديثه مليئة بالتجارب المنقولة والمعرفة المستوردة، نجد الأصوات تنادي بشكل متكرر للتحول الكامل الى اللغة الانجليزية. وهذا بالطبع ليس قضية النظام التعليمي فقط بل هو نتيجة لما يحدث في وسط الاعمال لأنه في النهاية المؤسسات التعليمية تقيس نجاحها بنجاح مخرجاتها وإذا كانت مخرجاتها تُرفَض من قبل الوسط المهني والعملي بدعوى غياب اللغة او ضعف اللغة فهنا يكون الأمر أكبر من كونه خطة مؤسسة تعليمية بل هو يحتاج الى برنامج متكامل وطني.

أعتقد أن زكاة المبتعث يجب أن تكون بمحاولة نقل التجربة الإيجابية والإيجابية فقط لتكون داعما ورافدا جديدا للمجال العربي وتعزيز الهوية الوطنية.فأحيانا مع الصدمة الحضارية خلال الإبتعاث لمن ذهب بدون تحضير مناسب تجعل عقله ووجدانه أسيرا لتلك الصدمة مما يجعله متأولا لكل ظاهرة يجدها أمامه خلال رحلة الإبتعاث ساءت او حسنت على أنها أحد أهم مسوغات هذا التقدم الحضاري! فمثلا الكثير من العائدين باتوا اليوم مصطفين أمام متطلب الزي الرسمي داخل المؤسسات العملية لأنه يحد من القدرة على العمل كما يزعمون لأنهم حصلوا على تجربة العمل بالبنطال والقميص ووجدوه أكثر عملية وبالتالي هذا الزي الرسمي يجب أن يحيد او يعزل او لا يكون متطلبا لنشاهد اليوم الزي الرسمي ينحسر بل أن كثيرا من الشباب يراه رمزا للتعقيد او التخلف او الجمود او حتى عدم العملية.

لا أحد يقف أمام أهمية القيم التي يحصل عليها كثير من المبتعثين من خلال التجربة في بلدان عُرِفَت بالإنتاجية و تنظيم الوقت والمسئولية و النظام و التميز والإبداع و الثقافة لكن لا يعني ذلك أن يمنعنا الإنبهار والإغترار بالتجربة الى أن نعتقد ان لا صلاح للدنيا و للمجتمعات إلا بالتبني الكامل للتجربة التي مر بها ذلك المسئول المبتعث يوما ما.

الحديث طويل عن أهمية إستخدام برنامج الابتعاث لتعزيز القيم الوطنية و الهوية الوطنية و المنتج العربي لكن سأقول مع قوة ضغط الواقع نحتاج إلى أن نزكي تلك التجربة بإثراء المعرفة العربية ومحاولة كبح جماح العقول المنبهرة من المسارعة في عملية إزاحة الهوية الوطنية و اضعاف المنتج العربي في العلوم الحديثة بالإغراق في فكرة التبني الكامل والنقل الغير متصرف به للخبرات والمعارف التي اكتسبها أولئك المبتعثون.

خاتمة: وكما يرى الشرعيون أن زكاة العلم بنشره والعمل به، فإن زكاة البعثة بما تحتوية من معارف وتجارب متنوعة هي في نشرها والعمل بها في المساهمة في تطوير الواقع الوطني والعربي بجميع جوانبه العلمية والعملية.
 

أكاديمي متخصص في المحاسبة المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو