الثلاثاء 16 ربيع الثاني 1442 - 01 ديسمبر 2020 - 10 القوس 1399

مكافحة غسل الأموال  (4/4)

د . عبد المحسن بن محمد المحرج

يدرك المختصون أن جريمة غسل الأموال جريمة مترامية الأطراف ومتداخلة الحبال ، هذه الجريمة ذات الطابع الدولي حظيت باهتمام بالغ في المملكة العربية السعودية ، والمنصف حين يطّلع على جهود الجهات الرسمية من مؤسسات وهيئات ولجان لها ارتباط بهذا الملف ، ليفخر بما يراه ،ويدرك أسباب تقديم مجموعة العمل المالي (FATF) الدعوة رسمياً لحكومة المملكة للانضمام لها بعضوية كاملة .

وفي هذا المقال الأخير من هذه السلسلة ، سأخرج عن النسق المعتاد للمقالات (السردي) ، فأشير إلى نقاط مهمة ألمحت إليها سابقاً ، من خلال تسلسل مقصود:
1- ورد في نظام مكافحة غسل الأموال السعودي ذِكْرٌ لبعض الجهات الرسمية المعنية بالتعامل مع هذه الجريمة ( جهات رقابية وسلطات مختصة) ، تتحقق من التزام المخاطبين في النظام بتطبيقه .

2- عددت الفقرة الرابعة من اللائحة على المادة الأولى من النظام الجهات الرقابية وهي :
أ- مؤسسة النقد .  ب- هيئة السوق المالية .  ج- وزارة التجارة والاستثمار .  د- وزارة العدل .   هـ - وزارة العمل والتنمية الاجتماعية .
* وقد يضاف إليها غيرها حسب تقدير المنظم .

3- جاء ذكر السلطات المختصة في الفقرة السادسة من اللائحة على المادة الأولى وهي :
أ- النيابة العامة .  ب- وزارة الداخلية  .  ج- رئاسة أمن الدولة .  د- الجهات الرقابية .  هـ- مصلحة الجمارك العامة .  و- الإدارة العامة للتحريات المالية .
* وأي جهة أخرى مكلفة بتنفيذ أحكام هذا النظام .

4- الإدارة العامة للتحريات المالية (وحدة التحريات المالية سابقاً) ترتبط برئيس أمن الدولة ، ولها الاستقلال الكافي في إجراء أعمالها ، بتلقي البلاغات والمعلومات والتقارير المرتبطة بغسل الأموال ، وتحليل البلاغات وإحالة النتائج إلى السلطات المختصة.

5- جدير بالباحث في هذا المجال أن يطلع على الجهود المحلية والإقليمية والدولية ، ومن أشمل الجهود التي يُتنبّه لها ما قررته واهتمت به جهتان (دوليتان) هما :
أ- مجموعة العمل المالي (FATF) التي تأسست في عام 1989م ، خلال اجتماع القمة الاقتصادية الخامسة عشرة للدول السبع الصناعية ، وهي تضم مجموعة من الحكومات ، وتستهدف تطوير وترويج السياسيات على المستويين الوطني والدولي الموجهة لمكافحة غسل الأموال من خلال تكوين إرادة سياسية لذلك (إصلاحات تشريعية – رقابية ) ، وقد أصدرت (أربعين توصية) ترسم بها إطاراً عاماً لمكافحة هذه الجريمة .

ب- المنظمة الدولية للشرطة الجنائية (الانتربول) :
أسست (منظمة الانتربول الحالية) عام 1946م ، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ( وانضمت المملكة لها في عام 1956م ) ، وهي منظمة دولية تعمل على مكافحة الجريمة ، واستناداً إلى المادة الثانية من قانونها الأساسي فإنها تهدف إلى تأمين وتنمية التعاون المتبادل على أوسع نطاق بين كافة سلطات الشرطة الجنائية في إطار القوانين القائمة في مختلف البلدان وبروح الإعلان العالمي لحقوق الإنسان .

6-يتساهل البعض في التعامل مع الأموال ، وقد جاء في النظام تعداد لصور كثيرة صُنّفت على أنها من جرائم غسل الأموال ، منها :
أ- تحويل مالٍ أو نقله مع العلم أنه متحصل من جريمة ؛ لإخفاء مصدره غير المشروع أو لمساعدة متورطٍ في ارتكاب جريمة أصلية .

ب- إخفاء أو تمويه طبيعة المال أو مصدره أو ملكيته أو الحقوق المتعلقة به ، مع العلم  بأنه متحصل من جريمة أصلية .
ج- الشروع في ارتكاب الأعمال المنصوص عليها في الفقرات (1-2-3) من المادة الثانية في النظام ، أو الاشتراك في ارتكابها أو المساعدة أو التحريض أو تقديم المشورة أو النصح أو التستر أو التآمر .  ( تراجع المادة الثانية لأهميتها ) .

7- يجب على المؤسسات المالية والأعمال والمهن غير المالية المحددة ، والمنظمات غير الهادفة للربح (بما في ذلك الأشخاص الذين يقدمون خدمات قانونية أو محاسبية ، عند اشتباههم بأن الأموال من متحصلات جريمة ، أو ترتبط بعملية غسل أموال أن يبلغوا الإدارة العامة للتحريات المالية ويستجيبوا لكل ما يُطلب منهم ، وقد أكد المنظم على خطورة هتك السرية في تداول المعلومات ، وعلى خطورة تنبيه هذه الجهات لعملائها أو غيرهم بأي إجراء تم أو سيتم تقديمه للسلطات المختصة .

8- يجب على كل شخص (يدخل أو يخرج ) من المملكة وبحوزته أموال أو مجوهرات أو سبائك ذهبية أو معادن ثمينة أو أحجار كريمة أو عملات أجنبية تبلغ قيمتها أو تزيد عن (60.000) ريال ، الإقرار بذلك كتابياً أمام مصلحة الجمارك العامة ، ويشمل ذلك ما يُنقل عن طريق خدمات الشحن والخدمات البريدية وأي وسيلة نقل أخرى ، ومن المهم أن يحتفظ الشخص بفواتير الشراء لمقتنياته التي تساوي أو تزيد عن الحد المذكور في اللائحة ؛ لاحتمالية الحاجة لإبرازها حال سفره بها .

9- جاءت العقوبات في الفصل السابع من النظام : بأن كل من ارتكب جريمة غسل أموال يعاقب بالسجن لمدة لا تقل عن سنتين أو بغرامة لا تزيد عن خمسة ملايين ريال ، وعند اقتران الجريمة ببعض الحالات والظروف فلن تقل العقوبة عن السجن لمدة ثلاث سنوات أو بالغرامة التي لا تزيد على سبعة ملايين ريال ، وقد تجتمع العقوبتان ، كما أن المدان معرض للحكم بالمنع من السفر وبمصادرة متعلقات الجريمة ، ويحسن بالقارئ  الاطلاع على مجموعتي الأحكام الصادرة من وزارة العدل لعامي (1434هـ  المجلد 24 ، 1435هـ  المجلد 12) وإن كانت تقريرات الأحكام على النظام السابق ، إلا أنها ستثري الباحث من جهة تسبيب الأحكام وتمييز الوقائع المنتجة .

10- اعتنى المنظم السعودي بـ (حسن النية) في كثير من الأنظمة ، وظهر ذلك جليّاً في نظام مكافحة غسل الأموال ، فعند مصادرة متعلقات جريمة غسل الأموال روعي حقه إن أثبت أنه حصل عليها بقيمة مناسبة ولقاء خدمة حقيقية مع جهله بمصدرها غير المشروع ، وحقه في الإثبات مكفول شرعاً ونظاماً حتى ولو آلت الأموال إلى الخزينة العامة وفقاً للمادتين (33- 36) ، وثبوت حسن النية عائد لنظر القضاء من خلال الوقائع والملابسات في القضية .

* وختاماً ، فإني أؤكد على ما ذكرته من خلال هذه السلسلة من أن هذا الموضوع يحتاج إلى الكثير من الطرح والتثقيف ، وزادت الحاجة لذلك مع كثرة تعاملات الناس وحداثة بعض الوسائل في التعاملات المالية التي يسّرت تداول الأموال ، فعلينا جميعاً التنبه لضوابط النظام ، والحذر من التساهل في تمكين أعداء الوطن من اتخاذ حساباتنا المصرفية جسراً لمرور الأموال غير المشروعة .

محامي ومستشار قانوني [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو