السبت 03 جمادى الثانية 1442 - 16 يناير 2021 - 26 الجدي 1399

بين "نيوم" النفطية و"نيوم" غير النفطية

د.إحسان علي بوحليقة

قبل أقل من نصف عام سمعنا أول مرة عن مدينة "نيوم"، وسمعنا عنها مجدداً أثناء زيارة سمو ولي العهد لجمهورية مصر العربية، في سياق انشاء مدينة رديفة على الجانب المصري، وفي ذات الامتداد الجغرافي. ولعل التحدي الكبير لتأسيس "نيوم" يكمن في الشراكات الاستراتيجية التي ستعقد مع الشركات والصناديق الاستثمارية في الدول المتقدمة، ولاسيما الولايات المتحدة الأمريكية. ليس لسبب سوى العمق التقني والفطنة المالية للمشاريع المستقبلية. 

بوسعٍ أحد أن يذكر التحديات والمعوقات التي تواجه مشروع حالم في "نيوم"، لكن علينا أن نتذكر أن بقعة ضخمة لحاضرةٍ ثلاثية المدن لم تكن موجودة تقريباً عند توقيع اتفاقية العجير، وها هي حاضرة الدمام-الظهران-الخبر قائمة، ولو تحدث أحدٌ عنها في بداية الثلاثينيات لقيل أنه يحلم. لكنها غدت واقعٌ الآن، فهي الحاضرة الثالثة من حيث تعداد السكان في المملكة، ونجحت في استقطاب القاطنين من كل بقع المملكة، فأصبحت "بوتقةً" لنا جميعاً، ينصهر فيها المواطنون من كل جنبات البلاد. 

السؤال، ودون الاستخفاف بالضخامة التحدي، ما الذي يمنع من تكرار التجربة، أخذاً في الاعتبار أن التجربة الأولى مولتها إيرادات النفط منذ ثلاثينيات القرن الميلادي المنصرم، لتُمَوَلّ التجربة الثانية ايرادات غير نفطية يقدر أن تصل لـ 500 مليار دولار، تأتينا من شتى بقاع الأرض، تماماً كما مول -في البداية- البريطانيون ثم الأمريكان استكشاف النفط ثم انتاجه وتسويقه؟ 

العالم الآن في سياق اقتصادي آخر، يقوم على التقنية التي قلبت الموازين جميعاً بما في ذلك طرق التواصل والإنتاج وهيكلة الأسواق، وجعلت من السلع رديفاً للخدمات. وعند التمعن، سنجد أن نجاحنا كدولة نفطية، لا يتناقض مع سعينا لأن نصبح دولة خدمات تقنية وصناعية ولوجستية، وعوضاً عن امتلاك رافد واحدٍ للدخل يقوم على بيع سلعةٍ، يصبح لدينا كذلك رافد ثاني. وسيتطلب ذلك جهداً ومخاطرة، ولكن سيجلب الكثير من الخير والازدهار لبلادنا.

ورغم تفرد المشروع الحُلم، كونه يتمركز في ثلاث دول عربية، ليستفيد من موقع جغرافي ومناخي متفرد، ومن وضع تنظيمي يقوم على مبادرة القطاع الخاص الخالصة، بمعنى أنه "نيوم" ستكون أقرب ما يمكن إلى "المناطق الاقتصادية الخاصة" المنتشرة في العديد من دول العالم، لاسيما الصين والهند، إلا أن مسوغاتها تقوم على تماهي مع منطلقات وأهداف "الرؤية السعودية 2030" من حيث استغلال الموقع المتميز، والاعتداد بالبعد العربي والإسلامي، وتوظيف قوة الاستثمار، فضلاً عن توجه حاضرة "نيوم" تسعى لتنويع الاقتصاد السعودي في قطاعات هي ضامرة حالياً، ولاسيما تلك التي تقوم على البحث والتطوير.

رئيس مركز جواثا الاستشاري [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو