الثلاثاء 16 ربيع الثاني 1442 - 01 ديسمبر 2020 - 10 القوس 1399

حوكمة الجيل القادم (بنك الطلاب) 

د. نوف عبدالعزيز الغامدي

عندما نتحدث عن الحوكمة على سوآء كانت حوكمة دولة أو قطاع عام أو خاص من خلال حوكمة الشركات فنحن نتحدث عن معايير وقيم كالمحاسبة والرقابة والشفافية، والحقيقة أننا قبل أن نعمل على المعايير والأنظمة للقطاعات المختلفه لابد أن نعمل على الحوكمة النفسية للمجتمع بحيث تكون هذه القيم والمعايير ممارسات إجتماعية وبالتالي الحد من الفساد والعمل على تهيئة بنية تحتية مجتمعية متزنة، وبالتالي فإن "الأسرة" و "المدرسة" هي البداية لزرع هذه المعايير والقيم من خلال الأطفال لتكوين جيل يمتلك في داخله مباديء الحوكمة النفسية. 

في مجتمعاتنا العربيه يعتمد الأبناء على آبائهم في الحصول على ما يريدونه، ولا يعرفون كيف لآبائهم الحصول على هذه الأموال؟ كما أن عدداً كبيراً من الخليجيين يعانون من مشكلة الديون، مع أن الدول الخليجية توفر الكثير من الخدمات لمواطنيها، في حين أن الغرب لا يواجهون صعوبات في إدارة أموالهم، فالأطفال لدينا يتعلمون عدم الادخار لأن آباءهم ينفذون طلباتهم فوراً.

حقيقة الثقافة المالية غائبة عن مناهجنا المدرسية، إذ إننا نتعلم مختلف العلوم التي يمكن ألا نستخدمها في حياتنا، في حين أن الثقافة المالية مهمة لتعلم إدارة الأموال، كما أن الأطفال لا يتعلمون الطرق الصحيحة في إدارة أموالهم لذا ينقلون الأمور الخاطئة التي تعلموها من آبائهم، ففي بعض الأحيان يحاول الآباء مكافأة أبنائهم مالياً ليتموا أعمالهم وواجباتهم ما جعلهم ينظرون إلى المال كأفضل إنجاز لهم وهذا خطأ، وسأتحدث هنا عن تجربة تايلاند في "بنك الطلاب" وكيف عملت على صناعة ثقافة مالية لدى النشأ في سن مبكرة. 

"بنك الطلاب" من المشاريع المهمة التي من المهم تطبيقها، والذي بدأ في تايلاند عام 2005، وهو الآن منتشر في 30 مدرسة وعدد الناشطين فيه 12,568 شخصاً، ويعمل على تدريب الشباب، في هذا المشروع، لتمكينهم من إدارة المخاطر المالية من خلال محو الأمية المالية والتثقيف الإجتماعي والإقتصادي، حيث يدير الطلاب المشروع لصالح الطلاب، ويؤدي الطلاب الذين يتولون العمل الأساسي في كل بنك للطلاب مهام مماثلة للأدوار والمسؤوليات التي تنفذ في أي بنك تجاري، كمهام مدير البنك والمحاسب.

وفي تايلاند يفتقر كثير من الأطفال والأسر إلى المعرفة بشؤون المال ولا قدرة لهم على الوصول إلى البنوك، وفي بعض الحالات يقع أقرب بنك على مسافة 50 كيلومتراً، كما أن التعليم في تايلاند لا يوفر تدريباً على ريادة الأعمال والمهارات الخاصة بأمور المال، ونتيجة لذلك يكون الطلاب أقل قدرة على التكيف مع اقتصاد تايلاند سريع النمو، ومن هنا برزت الحاجة إلى تطوير مهارات الشباب في التخطيط المالي ليصبحوا أفراداً قادرين على الاكتفاء الذاتي ضمن المجتمع ويوفروا لأنفسهم فرصة جيدة للتحول إلى بالغين منتجين.

لقد جرى تنفيذ مشروع بنك الطلاب في المدارس في مناطق عديدة من تايلاند، وخصوصاً تلك التي تضم أطفالاً يواجهون المخاطر، وأكثر مصادر الرزق المتوفرة في هذه المناطق هي المتعلقة بالزراعة، كما أن هناك كثير من الأسر منخفضة الدخل وتعيش تحت وطأة الديون، وتبرر النسبة المرتفعة للديون في المنطقة الحاجة إلى نشاطات تركز على تطوير مهارات وضع الموازنات وضبط الإنفاق والمهارات المالية، وقد أخذ الطلاب يتعلمون طرق الادخار وبدأوا يدركون أيضاً الإمكانات التي يمكن لادخاراتهم ومهاراتهم المالية أن تحققها لهم مستقبلاً.

يتكون مشروع بنك الطلاب من منصة يطور الطلاب عبرها مهاراتهم المالية منذ سن مبكرة لاكتساب خبرات عملية في العمليات المصرفية والمهام الإدارية وإدارة مشاريع عملهم الخاصة بهم، والمشروع ممارسةٌ تعليمية مبتكرة لأنه يتضمن منصة مصرفية على الإنترنت يتمكن فيها الطلاب من تتبع مدخراتهم وسحوباتهم وإيداعاتهم المالية، ويهدف إلى تشجيع الادخار والانضباط المالي والتخطيط، ويعلم الطلاب كيفية تشغيل بنك صغير، كما يوفر تدريباً على ريادة الأعمال وإنشاء المشاريع الصغيرة، ويجمع بين الإطار النظري للتدريب المالي والخبرة العملية في الادخار، ما يمكّن الطلاب من فهم وممارسة ما تعلموه على أرض الواقع.

ويبلغ مجموع مدخرات الطلاب في هذه المدارس 182,838 دولاراً أميركياً، ونتيجة لذلك، تقلصت ديون الوالدين بمقدار 14 بالمئة نظراً لاستجابة 72 بالمئة من الطلاب بمشاركة الأبوين والمساعدة على تسديد الفواتير والنفقات، إضافة إلى ادخار الطلاب تحسباً للظروف الطارئة والكتب المدرسية واللوازم والرسوم المدرسية في المستقبل، ولمساعدة أبويهم بالنفقات.
وتستطيع وزارة التعليم العمل على هذا المشروع وتنفيذه في المدارس من خلال إنشاء شراكات مع البنوك المحلية وبالتالي رفع مشاركة القطاع الخاص إضافة إلى صناعة الاتصالات في العمليات المصرفية المتنقلة.

الأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة حتى 6 سنوات، تنقصهم القدرات المعرفية العالية التي يتمتع بها الكبار، إلا أنهم يتمتعون بمقدرة كبيرة على المراقبة والتعلم، في الواقع إن 90٪ من التطور الأساسي لدماغ الطفل يحدث عند سن الخمس سنوات. وهذا يعني أنه ليس من السابق لأوانه البدء في تعليم الأطفال الصغار المهارات الأساسية التي يحتاجونها لبقية حياتهم، ومن هذه المهارات بلا شك فن التعامل مع المال فإعطاء الأطفال المال دون تحديد يجعلهم يفتقرون إلى الذكاء المالي.


أما في مرحلة الدراسة الابتدائية  فإن التعلم يكون من خلال التجربة والخطأ، وهنا يبدأ الأطفال في فهم ما يمكن للمال أن يشتريه وتعلم قيمة النقود الورقية المختلفة، لكنهم لا يزالون بحاجة لوسائل مرئية لمساعدتهم على الادخار، في حين لا تزال المواظبة على الإدخار فكرة جيدة، فالأطفال في هذه السن يستطيعون التعامل مع الأهداف، على سبيل المثال، إعطاء الطفل صندوق للسلع الغالية الثمن وآخرى للصدقة، ولا بد من تشجيع الأطفال على وضع الأهداف ليستطيعوا استيعاب فكرة أن هناك أشياء مختلفة يمكن لهم القيام بها بنقودهم في هذا العمر، ومن الأفضل أن يبدأ الآباء بإعطاء الأطفال مخصصا لأسبوع أو لأسبوعين والإشراف عليهم في إدارتهم للمبلغ، فلكل مرحلة عمرية طريقة تعامل خاصة تعكس معنى المال.


أما الأطفال في مرحلة الدراسة المتوسطة عادة ما يكونوا قد كبروا بما يكفي لفهم أن المال يمكن أن يكون له استخدامات متعددة، وعليهم أن يدركوا أن المال يمكن ادخاره لأهداف بعيدة المدى، مثل تكاليف التعليم الجامعي وحالات الطوارئ وبطبيعة الحال، الحصول على الأشياء التي يريدونها، لذا لابد في هذه المرحلة أن تعلم أطفالك قيمة المال من خلال "استراتيجية الادخار المتعدد" وهذا يعني أن يضع جانباً مبلغ معين من المال لأغراض مختلفة، فقد تكون لديهم أهداف قصيرة الأجل مثل: شراء هاتف جديد أو كمبيوتر محمول وغيرها.. أو أهداف أخرى أبعد أجلا مثل الادخار لشراء سيارة، ويمكن لإستراتيجية الإدخار المتعدد أن تساعد الوالدين في تعليم اطفالهم أن الادخار لا يقصد به "المال المتبقي"، ويجب أن يأتي من التفكير المثالي بأن الادخار يأتي قبل أي إنفاق على الكماليات، كذلك أن مشاركتك أطفالك في ادخارهم بالمساهمة معهم بنفس المبلغ يمكن أن يكون وسيلة رائعة لتشجيعهم وتعزيز عادات الادخار لديهم.


وعندما تبدأ مرحلة الكلية أو الجامعة ، فإن الآباء بحاجة إلى وضع الأسس لتخصيص الميزانية، وفي حين أن الأبناء في مرحلة الدراسة الثانوية قد لا يكونوا مستقلين مالياً، إلا أن عليهم على الأرجح إدارة أموالهم إلى حد ما.

ولكي يكون وضع الميزانية ذا أهمية، يجب أن يكون طفلك يكسب بنفسه بعض المال، ربما من خلال وظيفة في فصل الصيف، أو الأفضل من ذلك من خلال التدريب المدفوع لدى إحدى الشركات. وتشير الأبحاث إلى أن الأطفال ربما يكونون أكثر حرصاً على المال الذي يكسبونه بأنفسهم منهم على المال الذي يعطى إليهم.

إن تعلم كيفية وضع الميزانية هي مسألة بناء على ما تعلمه طفلك حتى هذه النقطة فقد تعلم أن المال هو وسيلة لتحقيق غاية وأن له أغراضاً مختلفة وأن المال المدخر هو المال المكتسب، وأخيراً لابد من المضي قدماً في تعليم ثقافة الإدارة المالية لتكون جزءاً من الخطة الوطنية للتعليم على أن تتوفر مستقبلاً في كل مدرسة هذه النوعية من التعليم للطلاب وأن يتمكن كل تلميذ من الإستفادة من المعلومات المالية بداية من كيفية جني المال فـ "هو لا يهبط من السماء" والتوفير والصرف الحكيم من خلال التمييز بين الأساسيات والكماليات والعطاء والمشاركة والتبرع والعمل الخيري والمسؤولية الإجتماعية وحتى الإستثمار وفرص تنمية الأموال وبالتالي جيل يمارس معايير وقيم الحوكمة من خلال الشراكة بين الأسرة والمدرسة ولنتأكد أن حوكمة الدول تبدأ من حوكمة الجيل القادم .

مستشارة تنمية اقتصادية وَحوكمة مؤسسية [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

أضافه غاده الفايز في 02/19/2018 - 22:43

قرأت على عجالة فكرة العمل منذ الصغر جميلة لكن ما علاقة الحوكمة؟

إضافة تعليق جديد

الفيديو