الخميس 08 جمادى الثانية 1442 - 21 يناير 2021 - 01 الدلو 1399

والصمت في حرم الجمال جمال

د. أحمد بن سهيل عجينه

"ألا فاسقني خمراً وقل لي: هي الخمر" كانت هذه الكلمات مطلع قصيدة لأبي نواس (الشاعر العباسي) تغنى فيها بالخمر الملعونة. وقد حار المفسرون في غرضه من قوله "وقل: لي هي الخمر". وكان أقرب تفسير لمعناه أن الشاعر أراد التلذذ بالمعصية بجميع حواسه. فعندما رأى ساقي الخمر من بعيد تلذذت عينه وعندما اقترب منه الساقي استنشق رائحتها فأشبع حاسة الشم لديه وعندما أمسك بكأس الخمر تلذذت يديه وعندما شربها  تلذذ لسانه. فبقيت حاسة السمع لم تتلذذ بالخمر فأضاف "وقل لي هي الخمر" لإشباع حواسه جميعاً.

إشباع الحواس مطلب مهم للوصول إلى قمة التفاعل ولكن الاتصال التسويقي المعاصر توسع في إشباع حاسة السمع على حساب الحواس الأخرى فأصبحت الأذن هي مركز اهتمام المسوقين في الرسائل التسويقية مما أرهق أذن المتلقي خصوصاً في ظل وجود ثلوث سمعي وفوضى إعلانية. وقد غفل الناس عن التسويق الصامت الذي يعد أحد أنواع المزيج الترويجي الذكية وأقلها استخداماً.

التسويق الصامت هو مصطلح يطلق على الاستراتيجيات الترويجية المتبعة لجدب انتباه العميل إلى منتج معين عن طريق مخاطبة الحواس (النظر و الشم و التفكير والإحساس والذوق وليس السمع) بطريقة غير مباشرة. وأكثر ما أشتهر به التسويق الصامت هو استراتيجيات الشكل والرائحة حتى قيل أن التغليف هو رجل البيع الصامت. التغليف هو ليس فقط طريقة لحفظ المنتج ولكن هي أحدى الأدوات التي يمكن أن يستخدمها المسوقون للترويج لمنتجاتهم وإظهاراها بشكل مميز وجذب للعملاء خاصة لو كان هذا التغليف يعزز صورة ذهنية معنية.فمثلاً لقد جذب انتباهي منتج كوكيز كان تغليفه على شكل فرن وتظهر قطع الكوكيز وكأنها طازجة وساخنة. 

أما بخصوص الرائحة فقد استخدمت شركة دانكن دونات استراتيجية التسويق الصامت لتعزيز منافستها لستاربكس التي تملك 200 فرع في مدينة سيول عاصمة كوريا الجنوبية. حيث عمدت على اختيار مواقع فروعها بالقرب من مواقف انتظار الباصات وقامت بتركيب معطر يحمل رائحة القهوة في الباصات مما ساهم في أثارة الركاب لشراء القهوة فور نزولهم من الباص. وقد ساهمت هذه الاستراتيجية في زيادة عدد زوار الفروع بنسبة 16% (350 ألف زائر إضافي) وزيادة في المبيعات تقارب 30%. وقد أثبتت بعض الدراسة الحديثة ارتباط وثيق بين الرائحة وتهيج المشاعر والذكريات لذلك يمكن استخدامها تسويقياً كأداة للتذكير العلامات التجارية وتعزيز الارتباط بها كما أنها تساهم في بناء التصورات الذهنية للعميل حول العلامات التجارية.

 ووفقاً لما ذكره الكاتب روبرت بودين فإن الخطوط السنغافورية لديها رائحة خاصة بها يضعها طاقم الطائرة وكذلك ترش على المناشف التي تقدم للمسافرين لخلق مشاعر إيجابية مع العلامة التجارية. وكذلك نجد بعض مصانع السيارات تستخدم رائحة مميزة في سياراتهم الجديدة لتهيج مشاعر العميل والتأثير على قراراته الشرائية. واختم بقول جبران خليل جبران:

بعض السكوت يفوق كل بلاغة .. في أنفس الفهــمين والأرباء

ومن التناهي في الفصاحة تركها .. والوقت وقت الخطبة الخرساء

 

أكاديمي متخصص في التسويق وسلوك المستهلك Dr_AhmedAjina @ المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو