الثلاثاء 16 ربيع الثاني 1442 - 01 ديسمبر 2020 - 10 القوس 1399

تطبيق إدارة المشاريع في القطاع الحكومي وأثره في ايقاف الفساد المالي

الدكتور سالم محمد الشعيب

عندما أُتخِذ القرار الشجاع من سمو الأمير محمد بن سلمان عام 2015 بتجميد الصرف على ما يقارب السبعة الاف مشروع حكومي معتمد في ميزانيات الأعوام العشرة التي سبقت القرار وتصنف بأنها "متعثرة" كانت البداية الصحيحة لتصحيح وضع المشاريع الحكومية في المملكة والتي ظلت لأعوام طويلة (أعوام ارتفاع أسعار النفط والفوائض المالية للميزانية) مثال للمبالغة في التقدير المالي وسوء الجودة في التنفيذ ولك أن تتخيل أن هذا القرار قد وفر لخزينة الدولة ما يقارب التريليون ريال سعودي أي تقريبا ما يوازي ميزانية عام 2014.

وقد تردد بشكل لافت في الأعوام الأخيرة وبرز مصطلح "تعثر المشاريع" وكان الجواب لجميع الاستفسارات عن مصير المشروعات الحكومية سواء كانت استفسارات موجهةمن الصحافة أو هيئات الرقابة الحكومية أو حتى الباحثين والمهتمين , فمن الطبيعي عند التساؤل عن وجود مشروع حكومي غير مكتمل من عشر سنوات أو عشرين سنة أو نحوهما أن تجد الجواب سريعا بتصنيفه بأنه "متعثر" مما يُقفل الباب سريعا على باقي الاستفسارات .

في علم إدارة المشاريع لا يوجد ما يسمى "تعثر المشاريع", عمليا وعلميا  إما أن ينتهي المشروع حسب الجدول الزمني المحدد له بالإضافة الى التكلفة والجودة المنصوص عليهما في العقود أو يفشل في ذلك, وفي حالات الفشل هناك الكثير من الإجراءات الواجب إتباعها لإعادة المشروع الى مساره الصحيح ومن أهمها تغيير مدير المشروع والفريق العامل على متابعته وإنجازه وهذا أحد الممارسات الهامة لإنجاح المشروع ولكنه للأسف منتشر فقط في مشاريع القطاع الخاص أو المنظمات التي لا تخضع لبيروقراطية القطاع الحكومي, وبالتأكيد هذا الإجراء غير مسموح به عمليا في القطاع العام (غالبا بسبب البيروقراطية) ولذلك تم ابتكار مصطلح "تعثر المشاريع" هذا التعبير السحري والذي يعني ضمنيا "وجود مشروع قائم وصرفت له ميزانية مع عدم وجوده في نفس الوقت" !! وبالتالي ينعدم سبب تغيير القائمين على المشروع أو محاسبتهم وهو ما يمثل بيروقراطية القطاع الحكومي في أبشع صوره والتي نتمنى أن تتلاشى قريبا.

في اعتقادي أن السبب الرئيسي في عدم الاستفادة من الاف المشاريع التي أُمِر بإيقافها هو عدم جاهزية البنية التحتية لإدارة المشاريع في القطاعات الحكومية بلا استثناء على الأقل في تلك الفترات التي أقرت فيها تلك المشاريع ,فلم تكن القطاعات تهتم بالممارسات الحديثة لإدارة المشاريع او تمتلك ما يسمى مكاتب إدارة المشاريع وإن وجدت فهي موجودة بشكل "استعراضي" فقط وغير مفعل وكنتيجة طبيعية فقد فُقدت القدرة على حوكمة المشاريع ومراقبتها .كل تلك العوامل أدت الى خلل واضح في منظومة التدريب للقائمين على هذه المشاريع وبالتالي عدم قدرتهم على اتخاذ القرارات السليمة لإنجاح المشاريع المليونية بل أحيانا البليونية الموكل لهم مهمة الاشراف عليها ولاحقا تشغيلها وصيانتها.

أجزم بأنه لسنا الوحيدين من يعاني من نسبة فشل في المشاريع الحكومية أو الهدر المالي المصاحب لها، ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال وجد أن ما نسبته 36% من المشاريع الحكومية تفشل في الوصول لأهدافها مما يعني عمليا هدر تقريبا 100 مليون دولار من كل بليون دولار امريكي يُصرف على المشاريع الحكومية. لذلك وفي شهر ديسمبر من عام 2016 وقع الرئيس الأمريكي باراك أوباما واحد من التشريعات الأخيرة في عهده بعد أن أقره الكونغرس الأمريكي وهو ما يسمى :
  The Program Management Improvement and Accountability Act of 2015 (PMIAA)

والغرض الرئيسي من وراء هذا التشريع هو التأكد بأن جميع المشاريع والمبادرات الحكومية ستخضع للممارسات الصحيحة والعادلة في إدارة المشاريع خلال جميع مراحلها وهو ما سيخلق فرصا وظيفية لحاملي الخبرات والشهادات في إدارة المشاريع وبالتالي تحسن نسبة النجاح لتلك المشاريع وبالتأكيد كان يقف خلف دعم هذا القرار المعهد الامريكي لإدارة المشاريع.

في المملكة وبعد التنبه لخطر استنزاف المشاريع الحكومية لميزانية الدولة وما يصاحبها من فساد في أغلب الأحيان تقرر انشاء ما يسمى " البرنامج الوطني لدعم إدارة المشروعات والتشغيل والصيانة في الجهات العامة" والذي يهدف لنشر الممارسات الصحيحة لإدارة المشروع ولاحقا تشغيله وصيانته مما يؤدي إيجابا الى التحكم وترشيد النفقات وبالتالي المحافظة على المال العام وتقليل الفساد المصاحب للمشاريع بدءا من مرحلة دراسات المشروع وانتهاء بمرحلة تسليمه, هذا البرنامج الطموح بالشراكة مع شركة بكتل الامريكية في اعتقادي تكمن أهميته في تأسيس وتطوير بنية تحتية عالية المستوى لتطبيق ممارسات ادارة المشاريع في القطاع الحكومي وما يصاحبه من تدريب وتطوير العاملين في هذه المشاريع الحكومية وبالتالي رفع كفاءة القطاع مع الأخذ في الاعتبار أن يكون لأقسام إدارة المشاريع في القطاعات الحكومية سلم رواتب منافس للقطاع الخاص والقدرة على استقطاب المتميزين من القطاعات المختلفة وتحفيزهم ماديا (بالرواتب والحوافز والمكافآت) ومعنويا بالتدريب المستمر داخليا وخارجيا.

وأخيرا، لا ننسى أن المشاريع الحكومية تمثل بيئة خصبة لممارسات الفساد ليس لدينا فقط ولكن في معظم دول العالم نظرا لحجمها المالي وتعقيدات القوانين المنظمة لها، وفي اعتقادي مع فرض تطبيق إدارة المشاريع بشكل جاد وصارم سنصل إلى نسب فساد متدنية ونسب إنجاز أعلى في المشاريع الحكومية وهو ما يوافق رؤية 2030 الطموحة بقيادة خادم الحرمين الشريفين وبمساندة عضده سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان حفظهما الله.
 
 

خبير في إدارة المشاريع الدولية sshuaib @

    مقالات سابقة

المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

أضافه محمد في 02/17/2018 - 10:41

كيف سيتم تطبيق هذا البرنامج وما هي آلياته

إضافة تعليق جديد

الفيديو