الأحد 04 جمادى الثانية 1442 - 17 يناير 2021 - 27 الجدي 1399

التجربة الفنلندية .. شعب سعيد بمشاكله

د. محمد آل عباس

التقيت بيكا فاو تيلاينين السفير الفنلندي لدى المملكة، وذلك ضمن أعمال اللجان البرلمانية في مجلس الشورى، كان اللقاء رائعا بكل تفاصيله، وتشعب الحديث مع السفير الفنلندي كثيرا، لكن أهم الانطباعات التي خرجت بها هو أننا نعرف فنلندا التي صنعت نوكيا، ونعرف أن هذه الدولة الصغيرة في شمال أوروبا قد حققت المرتبة الأولى في التعليم، وأنهم من أسعد شعوب العالم، لهذا تعمل المملكة اليوم مع جمهورية فنلندا على إرسال دفعات من المعلمين والمعلمات لفهم التجربة الفنلندية عن قرب، وهناك برنامج طموح في هذا الشأن، لكن ما لا نعرفه عن فنلندا "وأجزم هنا أن هناك الكثير مثلي ممن لم يكن يعرف ذلك" هو الشعب الفنلندي نفسه، وأعتقد أن نقل التجربة الفنلندية لن يكون مفيدا لنا دون معرفة جوهر النجاح فيها، وفي نظري حتى لو تم نقل التجربة فلن نستطيع نقل الجوهر وهو الشعب نفسه. فتجربتهم التاريخية هائلة بكل المعاني، تجربة المشاكل التي تجعل من الشعب سعيدا. لتوضيح ما أقصده تماما سوف أبدأ قصة رواها لي صديق أثق به تماما ذهب في زيارة عملية إلى فنلندا، وكان تعامله مع رجل أعمال ألماني وليس فنلنديا، ونحن نعرف من هم الألمان جيدا، ملخص القصة أن هذا الألماني يخبر صديقي أنه لم يشاهد أمة تعمل وتحب العمل مثل هؤلاء الفنلنديين، حتى أن الأرصاد لديهم تعلن حالة الطوارئ وتحث الناس على البقاء في منازلهم وعدم الذهاب إلى العمل والأسواق، وبقي هذا الألماني في منزله ليفاجأ بأن عماله في المصنع كما هو المعتاد، وينظر من نافذة منزله ليرى شبابا فنلنديا في وسط العاصفة الثلجية يذهبون إلى أعمالهم ويفتحون محالهم، رغم أن الحكومة تطلب منهم البقاء في منازلهم. هذه النزعة الذاتية للعمل، تجعل مهام مثل الرقابة والمتابعة أمورا ثانوية تماما، والتحفيز قضية تحصيل حاصل. ومن خلال قراءة سريعة للتاريخ الفنلندي يتبين لك أنهم شعب جسور جدا وصبور لحد يثير العجب، فقد دخلوا أكثر من حرب مع روسيا بدءا من حرب الاستقلال، وتم احتلالهم أكثر من مرة، وخلال الحرب العالمية الثانية كانت فنلندا مسرحا للحرب بين ألمانيا والاتحاد السوفياتي وانتهت بتدمير فنلندا عن بكرة أبيها ولم يسلم منها شجر ولا حجر وعادت فنلندا إلى الصفر في كل شيء، وبعدها بدأ الفنلنديون مرحلة بناء دولتهم، لكن هذا لم يعجب الاتحاد السوفياتي الذي دخل معهم مرة تلو مرة في حرب ضروس واحتل أراضيهم حتى تم عقد معاهدة صلح ليعود الفنلنديون إلى بلادهم واقتصادهم المتهالك ويعملون ليل نهار حتى عادت الأمور إلى نصابها من جديد وازدهر الاقتصاد وأصبح الاتحاد السوفياتي "وقد كان عدوهم" يعتمد عليهم في اقتصاده، لكن عادت المشاكل مرة أخرى عندما انهار الاتحاد السوفياتي لأنه السوق الرئيسة للمنتجات الفنلندية، فانهار الاقتصاد الفنلندي تماما تبعا لذلك، وانحدرت البلاد إلى كساد كبير استمر لسنوات خلال التسعينيات من القرن الماضي. أي دولة أخرى في العالم كانت ستواجه ما واجهه الشعب الفنلندي في أقل من 50 عاما ستستسلم للمظاهرات والحرب الأهلية، والنزعات القومية، لكن الفنلنديين عادوا إلى بيوتهم وترتيب كل الشأن الداخلي من جديد حتى التعليم، واكتشفوا ذاتهم في قوة التكنولوجيا الحديثة والمتقدمة فبنوا مصانعهم وتعليمهم من جديد بناء على ذلك، فعاد الاقتصاد إلى الازدهار في غضون سنوات معدودة، وتسيدت "نوكيا" عالم الاتصالات كعلامة فارقة، لكن الغيوم تلبدت من جديد مع بداية القرن الحالي وتراجع الاقتصاد الفنلندي بشكل كبير، وفقدت فنلندا الأسواق مع حجم المنافسة العالمية الضخم، ثم جاءت الطامة الكبرى وهي الأزمة المالية العالمية 2008 التي عصفت بكل أسواق الاتحاد الأوروبي، عندها انهار الاقتصاد الفنلندي تماما مرة أخرى وارتفعت البطالة بشكل مخيف وصلت إلى 7 في المائة، وعادت ملامح الكساد، وحاولت الحكومة حل مشكلة البطالة بسرعة لكن لم تستطع ذلك فوقع الاقتصاد في الركود ومن ثم الانكماش. والآن تم إصلاح كل المشاكل وعادت فنلندا ناضجة من جديد لتتربع على قمة العالم في التعليم وفي كونها أسعد شعوب العالم، وعادت "نوكيا" تهدد الأسواق مرة أخرى. في اللقاء مع السفير الفنلندي قلت "بالعبارة": كيف يمكن لبلد واجه كل هذه المشاكل أن يصبح أسعد شعب في العالم؟ قال لأننا نستطيع حل مشاكلنا بأنفسنا فنحن سعداء، وأقول لكم الآن لقد أذهلني رده، وفعلا ليست المشاكل تسلب السعادة، بل حلها يجعلك الأسعد فعلا. والآن تذكر عزيزي القارئ ذلك الألماني الذي يقف في نافذة منزلة والعاصفة الثلجية تهب بينما الشباب الفنلندي يسير في الطريق إلى عمله، هذه الرسالة التي أرفعها إلى كل مسؤول في المملكة وكل من يذهب إلى فنلندا من أجل نقل تجربتهم التعليمية، المسألة هي في شعب يجد السعادة في العمل وفي حل مشاكله بنفسه.
إنشرها     

المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو