الثلاثاء 06 جمادى الثانية 1442 - 19 يناير 2021 - 29 الجدي 1399

استثمار السعوديين في التقنية

طلال الجديبي

أتساءل، كيف ستكون صورة استثماراتنا التنموية في التقنية بعد بضع سنوات؟ وهل ستكون الصورة مشابهة لواقعنا اليوم؟ هل سنتمكن من تصدير التقنية بأي شكل من أشكالها أو سنعرف -ولو على مستوى المنطقة- بسيطرتنا على قطاع أو قطاعين فرعيين في مجال التقنية الواسع جدا والمتجدد بسرعة خيالية.

نقلت "الاقتصادية" قبل يومين عن "الفاينانشيال تايمز" أن الصندوق رؤية سوفت بنك الذي أنشأته السعودية بالمشاركة مع سوفت بنك سيمتلك حصة تبلغ ثمانية مليارات دولار من شركة إيه.آر.إم البريطانية المتخصصة في تصميم "الرقائق الإلكترونية" التي اشترتها العام الماضي مجموعة سوفت بنك. هناك كذلك -عن طريق الحكومة أو القطاع الخاص- عدد من الملكيات المشتركة في نماذج تجارية حديثة تعتمد على التقنية، مثل "أوبر" و"كريم" و"منصة نون" وبضعة استثمارات في شركات تقنية حديثة ناشئة.
السؤال الأهم، لن يكون حول تصدير التقنية -هذا لا يزال مجرد حلم- أو الاستفادة منها لحل جزء من مشكلة تنويع مصادر الدخل. 

في رأيي السؤال الأهم يتمحور حول نقطة جوهرية ومصيرية، وهي إلى أي حد سنتمكن من الاستفادة من التقنية لحل مشكلاتنا الراهنة التي ستنمو بشدة خلال السنوات القليلة المقبلة؟، نحن نتحدث عن ارتفاع أكيد في التكاليف -وربما التنازل عن كثير من أساليب وممارسات المعيشة الحالية- إذ نتحدث عن تغيير مرتقب في التركيبة العمالية وتأثر قطاع واسع من الخدمات وأيضا نلاحظ وجود عدة برامج للتسريع المهاري سواء على مستوى التعليم النظامي أو البرامج المساندة التي تعمل لسد فجوات سوق العمل وتحسين الإنتاجية. هل يمكننا الاستفادة من التقنية لحل مشكلات من هذا النوع؟ وهل تعمل الحلول المطروحة على تعزيز سيطرتنا على التقنية بشكل تنافسي؟ هل هناك توجه عام للتركيز على جانب تقني محدد يمكنه تحقيق الزخم المطلوب للخروج بنتائج مؤثرة؟
لو نظرنا إلى أحد التطبيقات التقنية المحلية مثل الحكومة الإلكترونية لوجدنا تباينا كبيرا بين القطاعات الحكومية على الرغم من الميزانيات المرصودة سابقا والجهود التي بذلت لسنوات طويلة. ولكن مع ذلك لا ينكر أحد الأمثلة الجيدة الموجودة، على سبيل المثال، منشأة عملاقة مثل "علم" نمت من مجرد مبادرة لتوطين خدمات التقنية للجهات الحكومية إلى جهة متميزة تقدم خدماتها المتنوعة لشرائح واسعة من المستفيدين. وكذلك تأتي خطة التحول بتعزيز الممارسات والمفاهيم التقنية والتركيز على أداء جهات مثل مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية ووزارة الاتصالات وتقنية المعلومات والتعليم والكليات التقنية. تختص مؤشرات الأداء المذكورة في خطة التحول بتقوية البنية التحتية للأداء التقني لمختلف الجهات. هل فعلا تعمل عناصر البنى التحتية نحو توجه تنافسي محدد ملائم لنا، أم أن الفوضى في التفاصيل؟.

تذكر قائمة BSA للتقنيات السحابية أن 24 دولة تسيطر على 80 في المائة من هذه التطبيقات على مستوى العالم، من ضمن هذه الدول فيتنام وبولندا وماليزيا وإندونيسيا والبرازيل والأرجنتين وتركيا وتايلاند إضافة إلى الدول المتقدمة، للأسف لا توجد دولة عربية واحدة. كذلك، يشمل الحديث عن التقنية الخدمات المتخصصة مثل أنظمة مراكز البيانات، الأجهزة والمعدات، البرمجيات، الخدمات الاستشارية والاتصالات، إضافة إلى الاستثمار في مجالات أخرى تعتمد على التقنية بشكل كبير مثل الاتصالات أو الطيران أو التقنية الطبية. وعلى الرغم من أننا نؤكد اهتمامنا بالتقنية عن طريق الأهداف المعلنة أو البرامج التعليمية إلا أننا بعيدون عن التخصص ولا نرى أي مؤشرات للتميز في أي مجال من المجالات المذكورة أعلاه.

بلغ حجم الإنفاق على خدمات الاتصالات وتقنية المعلومات 130 مليار ريال خلال عام 2016، جزء كبير منه يعود للإنفاق على خدمات الاتصالات، ما يقارب 70 في المائة؛ لا يمثل إسهام قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات من الناتج المحلي إلا نحو 6 في المائة فقط. التركيز بشكل فعال على تأهيل المواهب، وتفعيل البرامج، وتعزيز الاستثمارات يعني أن تركيبة هذه الأرقام ستتغير، أي من مجالات تقنية المعلومات المتخصصة تستطيع أن تستأثر بحجم أكبر من حجم الإنفاق وربما تسهم بشكل أفضل في الناتج المحلي. هل نتحدث هنا عن تصنيع الأجهزة أو عن تطبيقات البرمجيات المتخصصة؟ تصدير الكوادر والمهارات أم ممارسات الذكاء الاصطناعي؟ أعتقد أن الحديث عن الأمور التقنية -سواء على مستوى الخطط أو مؤشرات الأداء أو الطموحات والتحديات- دون تخصيص مجال محدد يتحول إلى العشوائية ويصنع نتائج بعيدة عن الطموحات. من المهم أن يرتفع سقف طموحاتنا فوق مستوى الأرشفة والمعاملات الإلكترونية وسد الفراغات الحالية، لابد أن يصل الطموح إلى مستوى تنافسي -على الأقل إقليميا- وأن يكون سد فراغات البنية التحتية، مثل جاهزية خدمات "البرودباند" وقوانين الخصوصية وحقوق الملكية الفكرية، مجرد خطوة أولية سريعة لطموحات أكبر تحفزها الاستثمارات المباشرة والتعليم المركز والهوية التقنية المحددة.

نقلا عن الاقتصادية

المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو