السبت 01 صفر 1439 - 21 أكتوبر 2017 - 28 الميزان 1396

من أجل تخفيف هدر مليارات الصحة.. وعدالة خدماتها

د. حمد المانع

إن مصلحة المواطن وتلبية احتياجاته من خدمة أساسية مثل الخدمة الصحية، وأيضاً وقف الهدر في واحد من أكثر القطاعات التي تشهد هدراً مالياً ناتجاً عن تفرق دمه بين جهات عدة، وعدم خضوعه لخطة موحدة تكفل إحكام الرقابة على موارده، تتطلب منا قراراً شجاعاً بإعادة هيكلة القطاع الصحي في بلادنا..من الأشياء التي تشعرنا -نحن السعوديين- بكثير من الاعتزاز والرضا، احتلال ملف الصحة أولوية متقدمة لدى ولاة الأمر في المملكة، بدءاً من عهد الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- إلى يومنا هذا، حتى أصبحت المملكة واحدة من وجهات الاستشفاء الكبرى التي استضافت عدداً من زعماء المنطقة وكبار شخصياتها للعلاج في مرافقها الصحية، أما المواطن السعودي فهو محاط بقائمة كبرى من وجهات العلاج المتقدمة المتطورة عالمية الأداء التي كفته مؤونة السفر خارج بلاده للعلاج، إلا في حالات بالغة الندرة، أو لرغبة خاصة من قبل بعض الموسرين من مواطنينا. يضاف إلى ما تقدم المسؤولية الكبرى التي تقع على عاتق القطاع الصحي في المملكة ألا وهي مسؤولية الاعتناء بصحة ضيوف الرحمن من الحجاج والمعتمرين، فهذا يضع على كتف المملكة ما لا تطيقه دول مجتمعة من الأعباء والمسؤوليات، لكن قطاع الصحة يتصدى لهذه المسؤولية ببسالة مقاتلين شرفاء، وعاماً بعد عام تتطور الخدمات الصحية المقدمة لضيوف الرحمن، وتحصد المملكة ثناء جميع شعوب العالم الإسلامي، بل وثناء منظمة الصحة العالمية عليها، فيما يتعلق بأمان مواسم الحج في مواجهة الأمراض الوبائية المتفشية حول العالم.

لكن هذا لا يعني بطبيعة الحال أن المملكة اكتفت من الخدمات الصحية، فالاحتياج إلى هذه الخدمات يتنامى مع تنامي الكثافة السكانية في المملكة، بالإضافة إلى رغبة الدولة في التوسع في تقديم خدمات صحية عالية الجودة لجميع أطراف المملكة، لا المراكز وحسب، وهذا يضاعف من أعباء القطاع الصحي. أيضاً يفاقم هذا الوضع أن برامج القطاع الصحي ومؤسساته ليست جميعاً تحت مظلة واحدة حتى تتمكن الوزارة من وضع خريطة لهذا التوسع، وتوزيع الخدمات الصحية بعدالة على جميع مناطق المملكة، سواء المراكز أو الأطراف، مع تجويد القائم منها وتطويره، فالقطاع الصحي أحد القطاعات التي تشهد تحديثاً دائماً عالمياً، على صعيد المعدات، والأدوية، والدراسات، والخبرات، والموارد البشرية، والمملكة دائمة الحرص على مواكبة كل جديد في هذا القطاع، وهذا كله يجعل الأمر بالغ التعقيد أمام الجهة الرئيسة المسؤولة عن القطاع الصحي في المملكة، ألا وهي وزارة الصحة، فالمطلوب منها دائماً أن ترسم خريطة واضحة الملامح والأهداف والخطوات للقطاع الصحي، في وقت يتفرق فيه دم هذا القطاع بين نحو أربع عشرة جهة حكومية معروفة ولا داعي لسردها، فليست هذه قضيتنا. قضيتنا هذا الشتات والتشرذم الذي يشهده القطاع الصحي في بلادنا. تشرذم يجعل خريطة الاحتياجات والأهداف والمشروعات غير واضحة أمام صانع القرار الصحي (المفترض هنا وزارة الصحة)، ولا سيما في ظل عدم وجود تنسيق مشترك بين هذه الجهات بشأن مشروعاتها وأهدافها، وفوق تشتيت الجهد هناك أيضاً تشتيت الإنفاق في ظل وجود موازنة إجمالية للقطاع الصحي بمختلف مؤسساته ومن بينها وزارة الصحة تتجاوز مئة وعشرين مليار ريال سنوياً. وهنا نجد أنفسنا أمام سؤال كبير: أليس جمع هذا المبلغ في خزانة وزارة الصحة كافياً لدعمها للاضطلاع بمشروعات صحية كبرى، وتنفيذ برامج صحية وطنية، تحقق تطلعاتنا جميعاً إلى تقديم المزيد من الخدمات الصحة وتجويد القائم منها؟ أيضاً أليس هذا كفيلاً بتوفير المليارات لخزانة الدولة، وخفض نسبة الهدر القائم نتيجة لعدم التنسيق بين المؤسسات المتفرقة التي تقدم الخدمات الصحية؟ أتصور أن هذا يتماشى مع رؤية المملكة 2030 التي تضع من بين أهدافها ترشيد الإنفاق، وتقليل هدر الميزانية، أو وقفه إن أمكن.

إن مصلحة المواطن وتلبية احتياجاته من خدمة أساسية مثل الخدمة الصحية، وأيضاً وقف الهدر في واحد من أكثر القطاعات التي تشهد هدراً مالياً ناتجاً عن تفرق دمه بين جهات عدة، وعدم خضوعه لخطة موحدة تكفل إحكام الرقابة على موارده، تتطلب منا قراراً شجاعاً بإعادة هيكلة القطاع الصحي في بلادنا، على أن تجمع الخدمات الصحية المقدمة في المملكة تحت مظلة واحدة هي مظلة وزارة الصحة، وإلا ففي ظل هذه الهيكلة القائمة لا يتجاوز دور وزارة الصحة كونها إحدى المؤسسات الصحية القائمة في المملكة، في حين يتوجه إليها الجميع بالمطالبات، والمناشدات، وربما الاتهامات، دون غيرها من الجهات المسؤولة عن الصحة، والتي لديها ميزانيات ليست بالهينة، تنفقها وفق برامجها الداخلية الخاصة، وتغدق عليها على نحو يضمن الرضا التام لمنسوبيها، من دون أن توجه إليها كلمة لوم واحدة، بل تحظى بالشكر والعرفان إن استضافت أحداً من غير المعنيين بخدماتها من المواطنين. الأمر يحتاج إلى نظرة جادة، وقرار شجاع.

المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

عجلان وإخوانه