الأربعاء 04 شوال 1438 - 28 يونيو 2017 - 06 السرطان 1396

صافولا .. عندما يُخطئ الكبار

أحمد بن عبدالعزيز الزمامي

تعودنا في صغرنا أن نجلس في مجالس الكبار نستمع من قصصهم وخبراتهم في الحياة، ولا يسمح لك بالمقاطعة ولا المداخلة فما زلت صغيرا حتى على أن تنطق بحرف واحد أمامهم. هُم الكِبار .. فاستفد منهم! حتى خُيّل لنا في عقولنا أن الكبار لا يخطئون  توقفت عجلة الأخطاء عندهم بعد تجاوزهم لسن معين وأصبحت الخبرات المتراكمة لديهم هي درع الأمان وبوصلة تُشير للإتجاه والقرار الصحيح دائما.

في مجال الأعمال يزدهر سوق قصص الفشل والخيبات خصوصا لصغار المتعاملين في هذا المجال بسبب قلة الخبرة وضعف الإمكانيات والتأهيل. وفي العالم العربي والمحلي قليل أن نجد دراسات متخصصة على حالة على أرض الواقع أو ما تُعرف بـ Case Study. دراسة حالات بعينها والتعمق في تفاصيلها وجبة دسمة لعُنصر الخبرة التي يبحث عنها الجميع.

سلسلة متاجر بندة التابعة للشركة الأم صافولا المدرجة بالسوق السعودي، انتهجت نهج جديد في سياستها التوسعية وتحديدا في عام ٢٠١٣م حيث بدأت ما أسمته (بندتي) وهي شكل مصغّر من سوبر ماركت بندة للاستحواذ على حصة سوقية من (البقالات) المنتشرة بكثرة. افتتحت صافولا ٢٣ فرع في ٢٠١٣م ثم بلغ إجمالي عدد فروع بندتي في ٢٠١٤م ١٥٥ ثم ٢٨٢ فرع في ٢٠١٥. وهو توسع سريع جدًا خلال ٣ سنوات فقط يُبين عزم إدارة الشركة وقدرتها المالية للانتشار الأخطبوطي حول خريطة المملكة بهذه السرعة.

بلغ صافي الدخل لشركة صافولا لقطاع التجزئة (بندة) لعام ٢٠١١م ٢٠٠ مليون ريال، ثم ارتفع إلى ٣١١ مليون ريال في ٢٠١٢م و ٢٠١٣م بلغ ٤٠٥ مليون ريال وفي عام ٢٠١٤م بلغ ٥٠٢ مليون ريال. ترافق توسع الشركة خلال هذه السنوات في افتتاح بندتي إضافة إلى الاستمرار في التوسع في بندة و هايبر بندة. لكن الغلبة بالعدد كانت بشكل كبير جدا لبندتي.

فكرة بندتي ليست بالفكرة الجديدة وهي أحد الخيارات التي تعمد إليها شركات قطاع التجزئة في العالم كمثال في بريطانيا شركتي Tesco و sainsbury توسعوا في ما يسمى Local Store وهو شبيه بما فعلته بندة في افتتاح الفروع الصغيرة (بندتي) فعدد فروع التجزئة الصغيرة الخاصة بـ Tesco لعام ٢٠١٣م بلغ ١٥٧٢ فرع بينما التجزئة الكبيرة ( سوبر وهايبر) ٥٣٩ فرع فقط ونلحظ استناد الشركة الكبير علي عدد المحلات الصغيرة وهذا يعطي تفسيرا على مدى نجاح مثل هذه المحلات الصغيرة وتأثيرها الإيجابي على الشركة.

أما في sainsbury فإنها بدأت بـ ٢٩٠ فرع للتجزئة الصغيرة في عام ٢٠٠٩م وبلغت ٣٣٥ فرع في ٢٠١٠م ثم ٤٤٠ فرع في ٢٠١٢م ثم ٧٠٧ في ٢٠١٥م حتى بلغت ٧٧٣ فرع في ٢٠١٦م  مقابل ٦٠١ فرع فقط للسوبر والهايبر ماركت والتي لم يزد عددها مقارنة بعام ٢٠٠٩م إلا ١٠٠ فرع فقط. الاستمرار في افتتاح هذه الفروع من هاتين الشركتين وبهذه الأعداد الكبيرة لا يعني إلا شيء واحد وهو نجاحها وطمع الإدارة في التوسع لتعظيم الأرباح واقتسام أكبر قدر من الحصة السوقية.

نعود محليا لبندة، كانت القصة قبل أن أنتقل للحديث عن التجربة البريطانية قصة نجاح باهرة، توسع كبير وضخم بأعداد فروع بندتي وزيادة واضحة بصافي الدخل على مدى الأعوام الماضية. فكيف انتهت القصة؟ خلال التسعة الأشهر الأولى من ٢٠١٦م أغلقت صافولا ١٠٠ فرع من بندتي ليتبقى لها ١٨٢ فرع!

وهذا الإغلاق جاء على دفعات خلال الثلاثة أرباع الأولى من العام، والجميع يترقب الآن التقرير السنوي للشركة والذي سيصدر خلال الفترة القريبة القادمة لنعرف كم عدد الفروع التي تم إغلاقها أيضا خلال الربع الأخير. أما على صعيد صافي الدخل فانهار من قمته ٥٠٢ مليون ريال لعام ٢٠١٤م ليصل إلى ١٤٦ مليون ريال في ٢٠١٥م فقط ثم يتحول النجاح إلى فشل في التسعة أشهر الأولى من ٢٠١٦م ليصبح قطاع التجزئة (بندة) خاسرا ٢٣٢ مليون ريال وهو ما تسبب به ارتفاع التكاليف التشغيلية حينها.

كيف حدث ذلك؟ لا يمكن تبرير ما حدث أنه مجرد تنافس بين الاعبين الرئيسين في هذا المجال مما تسبب بالخسارة المالية، لأن زملاء القطاع حققوا أرباح خلال ذات الفترة. لن نغوص في دهاليز القوائم المالية وتفاصيل السياسات المالية حتى لا يتوه القارئ. هل يمكن تعليل ما حدث لبندة أنها مجرد كانت ضحية سوق غير منظم في السعودية (سوق قطاع التجزئة والبقالات تحديدا) وأن سبب نجاح تجربة sainsbury و Tesco في بريطانيا يعود الفضل فيه بسبب القدر العالي من التنظيم لهذا القطاع في بريطانيا؟

يمكن ولو بشكل جزئي أن يذهب أحد لمثل هذا الرأي. لكن نقطة الإرتكاز الأساسية في هذه العملية كلها هو لُب المنتج ذاته؛ محتويات الفرع كيف كانت؟ السعوديين شعب منفتح على تجارب الآخرين والسُيّاح السعوديين في بريطانيا أعدادهم ضخمة. والكثير منهم عاش تجربة الشراء من هذين المتجرين خصوصا الفروع الصغيرة منها ورأى الحجم الكافي والشامل لجميع الإحتياجات الأساسية للمنزل في هذه الفروع الصغيرة كيف كانت محتويات هذه الفروع متنوعه بالمقارنة بحجمها الصغير وهو ما كان يكفي عناء الذهاب لعدة محلات أو اللجوء للهايبر ماركت منها في بعض الأحيان. محليا من عاش تجربة بندتي يلحظ منذ البداية افتقار الفرع للتنوع في المنتجات وكأنه تم تصميمه للإحتياجات البسيطة مثل فروع محلات التجزئة على طريق سريع في أحد شوارع أوروبا أو بريطانيا. منذ الخطوة الأولى لك داخل فرع بندتي تشعر بالفراغ الذي يتحويه مقارنة مع أقرب بقالة بسيطة في ذلك الحي. 


هذا التباين الواضح بين متسوى البقالة العادية وبندتي جعل الكفة تميل لصالح البقالات، بغض النظر عن التعليل بأن السوق غير منظم أو احترافي. لم تكن بندتي بالمستوى المطلوب لمنافسة أبسط بقالة في السعودية من حيث المحتويات. والعميل يحتاج للمحل الذي يلبي رغباته من المنتجات دون حاجته للسعي بين عدة محلات لإكمال احتياجاته واحدا تلو الآخر.

الفكرة كانت جميلة، والتنفيذ كان سيئا هذا ما يمكن أن يختصر هذه القصة من الفشل، الفشل ليس جديدا في عالم الأعمال وإنما الذي يرسم علامة الإستفهام الكبيرة، على ماذا استندت إدارة شركة صافولا لمثل هذه القرارات وخلال أقل من ٣ سنوات تفتتح فروع ثم تعود لإغلاقها؟ أين دراسة الجدوى؟ وأين التوسع المدروس والمتوازن بتجربة مثل هذا الأمر في عدد معين من الأحياء ودراسة مدى نجاح الفكرة والعوائق والسلبيات حتى يتم تطويرها في الفروع المتوقع افتتاحها مستقبلا؟

لا يوجد في عالم الأعمال أفضل من دراسة حالة بعينها ليتم الإستفادة من كل العوائق والسلبيات والنجاحات فيها. وأدعو طلبة تخصصات إدارة الأعمال والتسويق والتجارة لتعميق خبراتهم بالتوسع بمثل هذه الدراسات ونشرها لتوسيع مداركهم في تتبع مسار القرارات الخاطئة والناجحة وتعظيم الفائدة للمجتمع بنشرهم لهذه المعرفة.

ahmadibnaziz@

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

أضافه المهندس عبدالرحمن في 01/11/2017 - 16:49

مين كتب لك المقال ؟؟

أضافه わくしえ في 01/14/2017 - 23:29

ههههه جاي من اخر الدنيا عشان تقول من كتب لك ؟ لايكون مقالك هههههه

إضافة تعليق جديد

عجلان وإخوانه