الاثنين 05 محرم 1439 - 25 سبتمبر 2017 - 02 الميزان 1396

رداءة مهنية وراء مشاكل المالية العامة

د. صالح السلطان

 مقدمة إن إصلاح المالية العامة بشقيها الإيرادات والنفقات أمر لازم. وهذا الإصلاح لابد أن يستند على فهم جيد لنظريات وتطبيقات وممارسات في المالية العامة. أي أنه لابد من توفر موظفين ذوي كفاءة مهنية عالية في وزارة المالية، وفي الإدارات الحكومية المعنية بإعداد ومتابعة تنفيذ ميزانيات الجهات التي تتبعها تلك الإدارات. وللأسف الكفاءات الحكومية المتخصصة عالية المهنية والموجودة في أجهزة الحكومة قليلة. ولا ينفي ذلك وجود مشكلات أخرى. بقية هذا المقال من جزئين: الأول يستعرض باختصار موضوع تدني المستوى المهني في القائمين على المالية العامة في مختلف أجهزة الدولة. والثاني يعرض نقاطا عن سياسات إعداد ومتابعة تنفيذ الميزانية. الجزء الأول: تدني المستوى المهني أكبر مشكلات المالية العامة أهم المشكلات الراهنة الأساس الاول للمشكلات الراهنة في المالية العامة هو تدني نسبي في المهارات المهنية في أكثرية الموظفين الذين يشغلون وظائف تخصصية، مثل كبير اخصائيين او مستشار أو خبير بكذا. وكلمة نسبي، تعني أنني لا أنفي وجود مهارات، ولكن مستواها في كثير من شاغلي الوظائف التخصصية أقل بوضوح من المستوى المفترض توفره. وينطبق ذلك على نسبة كبيرة من موظفي الدولة الذين يعدون ميزانيات الأجهزة الحكومية أو يراقبون صرفها. لناخذ، على سبيل المثال، قرارات بدلات أقرت قبل سنوات، ثم أوقفت الآن. كان مفترضا أصلا قبل إقرارها أن تكون مدروسة دراسة شافية وافية، تتناول بمهنية عالية مختلف جوانبها. ثم كان مفترضا آنذاك وضع آلية تطبيق جيدة تمنع سوء التطبيق. من الأمثلة الأخرى أن الميزانية تعدها وزارة المالية عبر عقود بطريقة ومنهجية قديمة ومتدنية نسبيا في مستواها المهني مقارنة بممارسات في دول كثيرة. إيقاف أو توقف صرف مستحقات مقاولين دون نظرة عميقة لآثاره مثال آخر. والأمثلة كثيرة على مخرجات وقرائن تدل على تدني المستوى المهني لنسبة كبيرة من موظفي قطاعات وأجهزة كثيرة.   لنقارن، موظف ميزانية في وزارة المالية، امضى في عمله 15 عاما، وهو خريج جامعي من تخصص مناسب لعمله. لنقارنه بموظف ميزانية في وزارة مسؤولة عن إعداد الميزانية في دولة غربية كفرنسا وأمريكا مثلا، ويحمل المؤهل الجامعي نفسه، والمسمى الوظيفي وسنوات الخبرة نفسها، ولكن الفرق الجوهري يكمن في أن الموظف الغربي في الغالب ومن حيث المتوسط أقوى مهنيا. هذا الغربي يبدو أمامنا في حكم خبير ميزانية أو مالية عامة مقارنة بنظرائه السعوديين الذين يبدو أكثرهم وكأنهم طلاب أمام الغربي. كان هذا التدني سببا أساسيا (دون إنكار لوجود أسباب أخرى أيضا) في زيادة قوة المشكلات التالية:

  1. الهدر المالي
  2. الإفراط في الإعتماد على إيرادات النفط
  3. ضعف في كفاءة توزيع أو تخصيص الموارد المالية العامة.
  4. ضعف البنية القانونية للميزانية
  5. الضعف في إدارة الإنفاق العام وضوابط الالتزامات
  6. ضعف تقييم ومراقبة الاقتصاد المحلي وتحليل السياسات الاقتصادية
  7. التفاعل مع أجهزة الحكومة الاقتصادية الأخرى دون المستوى المرضي

أسباب الضعف المهني السبب الأهم في هذا التدني هو أن الموظف يعيش في بيئة ضعيفة نسبيا في مستواها وتعاطيها المهني، ولا تعمل على تحديث مستمر لأساليب العمل فيها. وقد تعود الموظف على هذه البيئة. ساهم في استمرار تلك البيئة أن معايير التقويم المتبعة واقعا للتعيين أو الترقية على أغلب الوظائف التخصصية، أقل من متطلبات الوظيفة التخصصية، حسب توصيف وزارة الخدمة المدنية. تلك المعايير لا تكفي للحكم باكتساب الكوادر السعودية المتطلبات المفترضة أو المهارات المنشودة، كما أن تأثيرها دون الطموحات على المتخصصين لتطبيق المهارات المنشودة أثناء العمل، أو تحديث معلوماتهم المهنية.   مقترحان للحل: إصلاح أساليب التقييم والترقية وإنشاء معهد أو مركز تدريبي للمالية العامة أهم حلول الضعف المهني حلان في نظري:

    • إجراء إصلاحات جذرية في طريقة تقييم وترقية المتخصصين، بحيث يتم التأكد من ترقية ففط من ينجح مهنيا، وخاصة على مراتب العاشرة فصاعدا.

 

  • بناء سياسة تدريب قوية على رأس العمل. ويساعد على تحقيق ذلك إنشاء معهد أو مركز للمالية العامة، يقوم بالتدريب فيه متخصصون أكفياء علما وخبرة، وتوضع برامج وسياسات جيدة، وأدوات تقييم موضوعية، والهدف ضمان رفع المستوى المهني للموظفين القائمين على إدارة المالية العامة، سواء في وزارة المالية أو في غيرها. ويتأكد ذلك أكثر في الموظفين المعينيين على وظائف تخصصية عالية.

  الجزء الثاني: نقاط في إعداد الميزانية وسياسات الإنفاق العام أسس تصميم سياسات المالية العامة بعد اتخاذ خطوات قوية لمعالجة مشكلة التدني المهني، هناك نقاط مطلوب أخذها بعين الاعتبار في إعداد الميزانية وسياسات الانفاق العام أساسها رسم وتطبيق سياسة مالية عامة fiscal policy تعمل على توزيع/تخصيص allocate الموارد المالية ثم متابعة إنفاقها بأفضل ما يمكن. وهذا يعني أن تتصف هذه السياسة بأنها:

  • متوازنة
  • قابلة للرسوخ sustainable
  • تسهم بفاعلية في تحقيق التحول الاقتصادي الهادف إلى تحقيق نمو اقتصادي قابل للاستدامة sustainable economic growth
  • تعزز استقرار الاقتصاد الكلي الوطني
  • تتكيف مع الظروف الاقتصادية بأفضل ما يمكن.  

لهذا يتوجب على السلطات المالية

  • تقييم الوضع الراهن للاقتصاد الكلى.
  • تحديد التحفيز المالي العام fiscal stimulus أو مستويات القيود والحدود constraints الأخرى التي يمكن أن يواجهها اقتصاد الدولة من وقت لآخر.  

الدراية بالتطورات المحلية والدولية قبل قرارات الترشيد من المهم جدا أن تكون السلطات المالية بحاجة إلى أن تكون على دراية عالية بالتطورات المالية والاقتصادية المحلية والدولية. وهذا يعني أن كل قرار ترشيد يجب أن يستند على دراسة وتفهم جيد للأوضاع الاقتصادية داخليا وخارجيا، بما يقلل سلبيات الترشيد إلى أدنى حد ممكن.

  • تجرى السياسة المالية العامة بالتناغم مع السياسة النقدية، حتى تتمكن وزارة المالية من تقييم تأثير القطاع النقدي على الاقتصاد من أجل إدارة مزيج سياسات.
  • التطورات المالية وقيود المالية العامة الكلية تعتبر مدخلات هامة لفعالية إدارة النقدية والديون.

تحتاج تلك السلطات إلى تقييم خيارات وإعادة تقييم القابلية للرسوخ باستمرار.   ينبغي تحليل هذا الرسوخ وفقا للظروف الاقتصادية الكلية والمالية، كما ينبغي اشتقاق هذا الرسوخ من نمو الإنفاق العام، والذي لا يعتمد فقط على اختيارات ظرفية، بل وأيضا على توقعات نمو الاقتصاد المحلي والاقتصادات الدولية، وعلى الأوضاع المالية والنظرة إلى أعباء الطوارئ. وظائف وسياسات المالية العامة الكلية في إطار إصلاح إدارة المالية العامة

  • إعادة بناء وظائف وسياسات المالية العامة الكلية جزء من إصلاحات شاملة للمالية العامة.
  • الصورة العامة لإصلاح إدارة المالية العامة.

الحاجة إلى نظام شامل للميزانية

  • تخضع الميزانية في الدول المتقدمة تنظيميا وإدارة لقانون أساسي عبارة عن إطار هيكلي لكافة الأحكام التي تخضع لها عمليات الميزانية، بشقيها الإيرادات والنفقات.  وتتبع القانون الأساسي مجموعة قوانين ولوائح وسياسات تفصيلية.
  • وتلك القوانين تتناول سياسات تخصيص الموارد وأحكام إجراءات الميزانية وصياغتها وضبطها وإجازتها ومراقبتها ومتابعة تنفيذها.  وهناك قوانين أخرى تفصيلية لقضايا متفرعة خاصة بالميزانية.  
  • هناك حاجة ماسة لدينا في المملكة إلى تطوير أسلوب إعداد الميزانية، ويساعد على ذلك إصدار نظام متطور للميزانية.  ذلك أنه من المهم جدا تقوية الإطار القانوني الذي يبنى عليه أسلوب عمل الميزانية وإدارة مالية الحكومة، بما في ذلك النظم المحاسبية والرقابية.  ومن المصلحة العامة وجود قانون أساسي يتناول كافة جوانب الإدارة المالية الحكومية.

الحاجة إلى تعزيز وتنسيق إدارة المالية العامة الكلية اعتبارات المستقبل

  • رسم سياسات المالية العامة الكلية سيتيسر بوجود إطار ميزانية واضح قصير ومتوسط الأجل، ويفضل أن يكون لمدة تتراوح بين ثلاث إلى خمس سنوات، وبوجود مسار إنفاق محمي باستخدام العجز الأساسي غير النفطي.  
  • التركيز على الرصيد الأساسي غير النفطي.
  • المساعدة على حماية مسار إنفاقي وتنموي أقل تقلبا.
  • تعزيز الآليات الهادفة إلى تحسين قرارات الإنفاق بالنظر إلى ضخامة خطط الإنفاق على المدى المتوسط.  وإتباع نهج متكامل في عمليات الميزانية يخفف من مخاطر تفتيت الميزانية.  

أدوات معززة لإدارة المالية العامة إطار السياسة Policy framework

  • الأولى تقليل تأثير تقلبات أسعار فإيرادات النفط. يقترح تطوير رصيد كلي معدل آخر يناسب الاقتصاد النفطي، يراعى تقليل نصيب الإيرادات النفطية، وتأثير تقلباتها على الإنفاق، وليس استبعاد هذه الإيرادات بالكلية.

إطار المالية العامة متوسط الأجل

  • سيتقوى الإصلاح الاقتصادي عبر رسم السياسة الاقتصادية وتنفيذها وفقا لمعايير الاقتصاد الكلي، مع وضع الميزانية السنوية في إطار متوسط الأجل (ثلاث إلى خمس سنوات).
  • التنسيق الفعال خلال خطوات الميزانية بين إدارة الميزانية وووحدة المالية العامة الكلية.

وظيفة المالية العامة الكلية قضايا أساسية

  • توليد إسقاطات مالية عامة كلية لمدة سنة إلى ثلاث سنوات، كجزء من تحدد وعاء الميزانية ككل.
  • تقييم آثار خيارات السياسات ضمن إطار الاتساق العام، وكثيرا ما تستخدم نماذج وتقديرات من طرف ثالث.
  • تحديثها بشكل منتظم خلال السنة لمعالم الاقتصاد الكلي ومعالم الميزانية المطلوبة لتنفيذ الميزانية وإدارة النقدية.

أسس للمراعاة في تنفيذ الميزانية وإدارة الانفاق العام

  • تضييق مساحة التعديل
  • شفافية وجودة المعلومات المحيطة بالانفاق
  • مشكلات تحيط بالانفاق وكيف تعالج
  • مراعاة العدالة والجوانب الاجتماعية
  • تطبيق حوكمة جيدة

متخصص في الاقتصاد الكلي والنقدي والمالية العامة كبير اقتصاديين وعضو فريق العمل لتطوير النظام المالي الحكومي في وزارة المالية سابقا المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

أضافه في 10/31/2016 - 09:54

وزير الماليه مازال أقدم وزير في الدوله؛ لذلك أنظمة الوزاره مازالت تعتمد على الورق و إجراءات بيروقراطيه من العصرةالجوراسي. الوزارة تحتاج إلى دماء جديده تنفض الغبار.

إضافة تعليق جديد

عجلان وإخوانه