السبت 29 جمادى الأولى 1438 - 25 فبراير 2017 - 06 الحوت 1395

العلم الاقتصادي يجتاز اليوم منعطفًا  !!

د. زيد بن محمد الرماني

إن العلم الاقتصادي يجتاز اليوم منعطفًا فطن إليه كثير من الناس، بَيدَ أن كثيرًا من الاقتصاديين، ولا سيما المحترفين منهم ما زالوا يرفضون الإذعان.

وما برحت الكتب الاقتصادية الكلاسيكية المتداولة تصف بلا انزعاج نفس النظريات الأكاديمية، خلا بعض التزيينات التي أريد لها أن تناسب الذوق الدارج، وبعض التوسعات التي ما فتئت تعالج هامشيًّا وسطحيًّا المسائل القديمة بلباس جديد.

وهي إذ تنشئ الأجيال القادمة من الاقتصاديين والكوادر والمعلمين تسهم في إنتاج، وإعادة إنتاج نماذج اقتصادية تمّ تجاوزها وعفا عليها الزمن.

لذا، كتب جاك آتالي كتابه "ضد الاقتصاد"؛ لتوضيح أن التنظيمات والسلوكيات الاقتصادية في الأعوام القريبة القادمة سوف تختلف جدًّا وبالتأكيد عمَّا هي عليه اليوم وأن اقتصادًا منفتحًا على العلوم الإنسانية والاجتماعية الأخرى سيمكن أن يساعد على تهيئة هذا المستقبل، بتقديم واقتراح تحليلات جذرية جديدة.

وهذا يستلزم طرح الكاريكاتوريات التي بُني عليها هذا العلم حتى الآن؛ لاستيعاب كل التعقيد الثقافي والاجتماعي للمجتمع الإنساني.

إن اقتراحات هذا الاقتصاد المضاد، كاقتراحات أي علم اجتماعي حقيقي لا يمكن أن تسجل إذًا إلا خارج مثاليات هذا العصر.
لماذا يعلن المؤلف منذ البداية أنه ضد الاقتصاد؟!

ذلك لأن الكتاب في حقيقته نقد من حيث الشكل والمضمون للتعليم التقليدي لمادة الاقتصاد، هذا التعليم الذي يقوم على أنه علم منفصل عن العلوم الإنسانية الأخرى، في حين أن أية جزئية من هذا القبيل ليست ممكنة ولا مقبولة في علوم الإنسان.


كتاب "ضد الاقتصاد" كتاب اقتصادي فلسفي فكري سياسي ذو نظرة إجمالية شاملة، ينتقد النظريات السائدة ويدعو إلى إدخال الآلام الاجتماعية من مخلفات الأنظمة والفلسفات النافذة، في اعتبار التحليل الاقتصادي.

ففيه عَرْضٌ مجمل لعدد من التعريفات الأساسية والنظريات المهمة، نظرية التوازن العام، ونظرية المستهلك الرشيد، ونظرية النمو، ونظرية السلع الجماعية، ونظرية البيئة، ونظرية اقتصادية في الطوباوية.

وفيه موضوعات أخرى الاقتصاد الجزئي، والكُلِّي، والحد الأمثل للتوزيع والتخطيط الاشتراكي، ومحاكاة السوق والتجارة الخارجية، وقضايا التلوث والسكان والفقر والعالم الثالث، والتسيير الذاتي والتفاوت في الدخول وتكافؤ الفرص.

كل ذلك، دون أن يهمل استعمال المصطلحات والنماذج والمعادلات والرسوم البيانية، بل والصور الكاريكاتورية، ويأتي بكثير من الشواهد لعدد كبير من الاقتصاديين والمفكرين: ماركس، ماركوز، بيتلهايم، ستراوس، سميث، باريتو، كوزنيتس.

إن الكتاب محاولة للمساهمة في الحركة الأوروبية، وهو يدعو إلى الاعتماد ليس على الملاحظة فقط، بل على التجربة؛ بحيث يتم الانتقال من المجرد إلى المحسوس، وضرورة قيام الطلاب بإجراء زيارات للمعامل والورش، ويدعو إلى ربط الاقتصاد بسائر العلوم الإنسانية وينبِّه إلى أثر السياسة في التحليل الاقتصادي.

والمؤلف يؤكد أنه لا يرتاح إلى تجارب العالم الرأسمالي، ولا إلى تجربة الاتحاد السوفيتي (السابق)؛ لكونها تنم عن مركزة السلطات الرأسمالية، وتركيز الناس، ووحدات الإنتاج، دون الاهتمام كثيرًا بما يترتب على ذلك من آثار سيئة.
وقد حوى الكتاب إلى جانب الرسوم البيانية والمعادلات الرياضية قرابة اثنتي عشرة صورة كاريكاتورية.

إن قارئ ضد الاقتصاد يحس بانتهائه كأنه فرغ من الاستمتاع بموضوع اقتصادي سياسي فكري عُرض في شريط سينمائي.

المستشار الاقتصادي وعضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية zrommany3@

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد