الاثنين 29 جمادى الثانية 1438 - 27 مارس 2017 - 06 الحمل 1396

المشكلة في التعميق لا التنويع

د. صالح السلطان

من أكثر العبارات الاقتصادية الشائعة في بلادنا عبارة تنويع مصادر الدخل. والأدق منها عبارة تنويع اقتصادي economic diversification فهي العبارة المستخدمة عادة في الكتب والبحوث الاقتصادية.

هل اقتصادنا أصلا غير متنوع؟ الجواب بالنفي، فاقتصادنا متنوع. قد يتعجب البعض من كلامي هذا. ومصدر الإشكال خلط أحيانا بين معنيين، قد يتشابهان وقد يختلفان في المعنى أو الدلالة، لكن التشابه هو ما غلب: تنوع الاقتصاد وتطور الاقتصاد. لا يحدث الثاني (التطور) دون الأول (التنوع)، لكن الأول ممكن حدوثه دون الثاني.

لنناقش الأمر من جهة الإحصاءات الرسمية. في موقع هيئة الإحصاء تقديرات للناتج المحلي للربع الثاني من العام الجاري. بلغت إسهام قطاع النفط قرابة 28.5 في المائة من مجموع الناتج، والقطاع الحكومي قرابة 18.5 في المائة والباقي وهو أكثر من النصف للقطاع الخاص (جزء منه مملوك للحكومة لكنه يعامل إحصائيا واقتصاديا على أنه قطاع خاص ومن أوضح الأمثلة نشاط شركات مثل سابك والاتصالات). وهذا القطاع الخاص متنوع الأنشطة. طبعا كانت إسهام قطاع النفط أعلى سنوات الطفرة.

وجود قطاع خاص أكبر، لنقل مثلا إن حصته تبلغ ثلثي الناتج المحلي، لا يعني بالضرورة أن الدولة ذات اقتصاد متطور. كيف نعرف أن الاقتصاد متطور بلغة بسيطة خالية من تعبيرات معقدة أي خالية من تقعراتنا معشر الاقتصاديين؟ بكون السكان يتمتعون بدخل مرتفع. هل يضمن تعدد مصادر الدخل ارتفاعه؟ لا. هناك دول كثيرة اقتصاداتها متنوعة، لكنها دول متوسط دخل الفرد فيها ليس مرتفعا، حتى مع مراعاة القوة الشرائية، أي فروق الأسعار مع دول أخرى.

مطلوب تنوع فيه عمق.

كيف نعرف ذلك في دولة نامية نفطية كبلادنا؟ بعدة صفات على رأسها مدى القدرة على النمو دون اعتماد قوي بطريقة مباشرة وغير مباشرة على إيرادات صادرات نفط خام. وقلت قوي لأنه لا بد من وجود درجة من الاعتماد. أي أن المشكلة ألا يكون اعتمادا مبالغا فيه. نعرف مدى قوة هذا الاعتماد من قوة مرض القطاعات الأخرى عند مرض قطاع النفط.

مطلوب وجود اقتصاد وقطاع خاص يحسن معيشة الأفراد مع مرور السنين. "طيب كيف؟" هناك صفات واشتراطات لا بد أن تتوافر، وهناك إصلاحات لا بد أن تتحقق. تتلخص هذه الصفات والاشتراطات والمتطلبات في رفع إنتاجية مؤسسات القطاعين الحكومي والخاص وإنتاجية الفرد العامل فيهما. رفع الإنتاجية هو المفتاح بين الشعوب والدول في مدى تطور اقتصاداتها. لكن من المهم التنبيه على أن الإنتاجية لا تقاس بالوقت فقط أو بالجهد فقط أو بالقيمة فقط، بل هي نتاج الثلاثة. أي أنها قيمة الجهد المبذول ضمن وقت محدد.

رفع الإنتاجية يتطلب إصلاحات أذكر ما أراه أهمها:

- بناء ثقافة عمل وإنتاجية، ورفع إنتاجية وتدريب السعوديين لتكون مهاراتهم في مستوى مرتفع نسبيا عالميا. كيف؟ موضوع طويل عريض له علاقة حتى بعاداتنا وأساليب حياتنا.

- العمل على تعميق وتقوية القيمة المضافة في قطاعات صناعية وإنتاجية متعددة غير قطاع الطاقة.

- تحسين مستوى الشفافية والمشاركة في صنع القرار.

- استخدام الابتكارات لمصلحة البلاد، والحكومة، والتعاون فيما بين الأفراد.

- جهود في تطوير الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم.

- محاربة جادة للمحسوبية والإهمال، والرداءة المهنية.

- إدخال إصلاحات كبيرة في الإنفاق الحكومي.

معظم موظفي الشركات الصغيرة والمتوسطة متدنية دخولهم، وعددهم كبير، والتوطين ما زال ضعيفا. وقد تعيش الأجيال القادمة في ظروف أسوأ منا في حال تدهور الدخل النفطي لأي سبب مثل تطوير مصادر طاقة أخرى والاستغناء عن النفط بصورة كبيرة، دون تنويع اقتصادي يتصف بالعمق، ودون بدائل قوية لدخل النفط.

المطلوب أن تغير السعودية مسارها الذي اتخذته طوال العقود الماضية إلى مسار آخر يؤهلها لأن تكون ضمن الدول القوية في مجال التنافسية العالمية. هذه العبارة قالها كثيرون من قبل بعبارات متفاوتة.

زيادة الإنتاجية تزيد الدخل. وزيادة الدخل تجلب زيادة الأجور. وهذا ليس بأمر جديد، بل يدركه جيدا ليس فقط المتخصصون في مجالات التنمية والاقتصاد والإنتاجية والسياسات العامة، بل يدركه كل من أعطاه الله وعيا وفهما واهتماما بكيفية تطور الاقتصادات ونموها.
نقلا عن الاقتصادية

متخصص في الاقتصاد الكلي والنقدي والمالية العامة كبير اقتصاديين وعضو فريق العمل لتطوير النظام المالي الحكومي في وزارة المالية سابقا

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد